قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
( 54 ) [ طه : 53 - 54 ] وقد أوضحنا تفسير الأرض الجرز مع بعض الشواهد العربية في سورة الكهف ، في الكلام على قوله تعالى :
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
( 8 ) [ الكهف : 8 ] .
قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 )
[ 28 - 29 ] .
أظهر أقوال أهل العلم عندي هو أن الفتح في هذه الآية الكريمة ، هو الحكم والقضاء ، وقد قدمنا أن الفتاح وهي لغة حميرية قديمة . والفتاحة الحكم والقضاء ، ومنه قوله :
ألا من مبلغ عمرا رسولا * بأني عن فتاحتكم غنى
وقد جاءت آيات تدل على أن الفتح الحكم ، كقوله تعالى عن نبيه شعيب :
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
( 89 ) [ الأعراف : 89 ] أي احكم بيننا بالحق ، وأنت خير الحاكمين .
وقوله تعالى عن نبيه نوح :
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
[ الشعراء : 117 - 118 ] الآية . أي احكم بيني وبينهم حكما . وقوله تعالى :
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
( 26 ) [ سبأ : 26 ] وقوله تعالى :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
[ الأنفال : 19 ] أي إن تطلبوا الحكم بهلاك الظالم منكم ، ومن النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقد جاءكم الفتح : أي الحكم بهلاك الظالم وهو هلاكهم يوم بدر ، كما قاله غير واحد ، وقد ذكروا أنهم لما أرادوا الخروج إلى بدر ، جاء أبو جهل ، وتعلق بأستار الكعبة وقال : اللهم إنا قطان بيتك نسقي الحجيج ، ونفعل ونفعل ، وإن محمدا قطع الرحم وفرق الجماعة ، وعاب الدين ، وشتم الآلهة ، وسفه أحلام الآباء ، اللهم أهلك الظالم منا ومنه فطلب الحكم على الظالم ، فجاءهم الحكم على الظالم فقتلوا ببدر ، وصاروا إلى الخلود في النار إلى غير ذلك من الآيات .
وعلى قول من قال : من أهل العلم إن المراد بالفتح في الآية الحكم والقضاء بينهم يوم القيامة فلا إشكال في قوله تعالى :
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ
وعلى القول بأن المراد بالفتح في الآية الحكم بينهم في الدنيا بهلاك الكفار . كما وقع يوم بدر ، فالظاهر أن معنى قوله تعالى :
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ
أي إذا عاينوا الموت ، وشاهدوا القتل بدليل قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ