الفتنة على الكفر والضلال كقوله تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
[ الأنفال : 39 ] أي حتى لا يبقى شرك ، وهذا التفسير الصحيح ، دل عليه الكتاب والسنة .
أما الكتاب فقد دل عليه في قوله بعده في البقرة
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ البقرة : 193 ] وفي الأنفال
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
[ الأنفال : 39 ] فإنه يوضح أن معنى : لا تكون فتنة ، أي لا يبقى شرك ، لأن الدين لا يكون كله للّه ، ما دام في الأرض شرك كما ترى .
وأما السنة ففي قوله صلى اللّه عليه وسلّم « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا اللّه » « 1 » الحديث . فقد جعل صلى اللّه عليه وسلّم الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس ، هي شهادة ألا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهو واضح في أن معنى : لا تكون فتنة : لا يبقى شرك ، فالآية والحديث كلاهما دال على أن الغاية التي ينتهي إليها قتال الكفار هي ألا يبقى في الأرض شرك ، إلا أنه تعالى في الآية عبر عن هذا المعنى بقوله :
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وقد عبر صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : « حتى يشهدوا ألا إله إلا اللّه » فالغاية في الآية والحديث واحدة في المعنى .
كما ترى .
الرابع : هو إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
( 23 ) [ الأنعام : 23 ] أي لم تكن حجتهم ، كما قاله غير واحد . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 )
[ 49 ] .
قد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي اللّه صالحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام نفعه اللّه بنصرة وليه : أي أوليائه لأنه مضاف إلى معرفة ، ووجه نصرتهم له ، أن التسعة المذكورين في قوله تعالى :
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قالُوا تَقاسَمُوا
[ النمل : 48 - 49 ] أي تحالفوا باللّه ، لنبيتنه : أي لنباغتنه بياتا : أي ليلا فنقتله ونقتل أهله معه
ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ
أي أوليائه وعصبته
ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ
أي ولا مهلكه هو ، وهذا يدل على أنهم لا يقدرون أن يقتلوه علنا ، لنصرة أوليائه له ، وإنكارهم شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه . والظاهر أن هذه النصرة عصبية نسبية لا تمت إلى الدين بصلة ، وأن أولياءه ليسوا مسلمين .
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة هود في الكلام على قوله تعالى :
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
[ هود : 91 ] الآية . وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .