تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
فما يك من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل
واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب ، لأنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل ، والعرب تقول : أفكه بمعنى قلبه ، ومنه قوله تعالى في قوم لوط
وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[ التوبة : 70 ] وقوله
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى
( 53 ) [ النجم : 53 ] وإنما قيل لها مؤتفكات ، لأن الملك أفكها أي قلبها كما أوضحه تعالى بقوله
فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
[ الحجر : 74 ] . قوله تعالى :
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 )
[ 5 - 6 ] . ذكر جل وعلا في الأولى من هاتين الآيتين أن الكفار قالوا : إنّ هذا القرآن أساطير الأولين أي مما كتبه ، وسطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم جمعه ، وأخذه من تلك الأساطير ، وأنه اكتتب تلك الأساطير ، قال الزمخشري : أي كتبها لنفسه وأخذها ، كما تقول : استكب الماء واصطبه إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه ، وقوله
فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ
أي تلقى إليه ، وتقرأ عليه عند إرادته كتابتها ليكتبها ، والإملاء إلقاء الكلام على الكاتب ليكتبه ، والهمزة مبدلة من اللام تخفيفا ، والأصل في الإملاء الإملال باللام ومنه قوله تعالى :
فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
[ البقرة : 282 ] الآية وقوله :
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
( 5 ) البكرة : أول النهار ، والأصيل : آخره . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أنّ الكفار قالوا : إن القرآن أساطير الأولين ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم تعلمه من غيره ، وكتبه جاء موضحا في آيات متعددة كقوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( 31 ) [ الأنفال : 31 ] . وقد ذكرنا آنفا الآيات الدالة على أنهم افتروا عليه أنه تعلم القرآن من غيره ، وأوضحنا تعنتهم ، وكذبهم في ذلك في سورة النحل ، ودلالة الآيات على ذلك في الكلام على قوله تعالى :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
[ النحل : 103 ] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا . ومن الآيات الدالة على كذبهم في قوله :
اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ
قوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
( 48 ) [ العنكبوت : 48 ] ، وقوله تعالى :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
إلى قوله تعالى :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ
[ الأعراف : 157 - 158 ] الآية ، والأمي هو الذي لا يقرأ