وقول الآخر :
فليست عشيات الحمى برواجع * لنا أبدا ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
وقد قدمنا الشاهد الأخير في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
[ الأنبياء : 87 ] وقوله : الفرقان يعني هذا القرآن العظيم ، وهو مصدر زيدت فيه الألف والنون كالكفران والطغيان والرجحان ، وهذا المصدر أريد به اسم الفاعل ، لأن معنى كونه فرقانا أنه فارق بين الحق والباطل ، وبين الرشد والغي ، وقال بعض أهل العلم :
المصدر الذي هو الفرقان بمعنى اسم المفعول ، لأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل جملة .
واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
[ الإسراء : 106 ] الآية ، وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
( 32 ) [ الفرقان : 32 ] وقوله في هذه الآية الكريمة : نزل بالتضعيف يدل على كثرة نزوله أنجما منجما . قال بعض أهل العلم : ويدل على ذلك قوله في أول سورة آل عمران :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
( 3 ) [ آل عمران : 3 ] الآية . قالوا عبر في نزول القرآن بنزل بالتضعيف لكثرة نزوله وأما التوراة والإنجيل ، فقد عبر في نزولهما بأنزل التي لا تدل على تكثير ، لأنهما نزلا جملة في وقت واحد ، وبعض الآيات لم يعتبر فيها كثرة نزول القرآن كقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] الآية وقوله في هذه الآية على عبده . قال فيه بعض العلماء :
ذكره صفة العبودية مع تنزيل الفرقان ، يدل على أن العبودية للّه هي أشرف الصفات ، وقد بينا ذلك في أول سورة بني إسرائيل .
قوله تعالى :
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ 2 ] .
قوله :
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
بدل من الذي في قوله تعالى : تبارك الذي نزل ، وقال بعضهم : هو مرفوع على المدح ، وقال بعضهم : هو منصوب على المدح . وقد أثنى - جل وعلا - على نفسه في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور ، هي أدلة قاطعة على عظمته ، واستحقاقه وحده لإخلاص العبادة له :
الأول منها : أنه هو الذي له ملك السماوات والأرض .
والثاني : أنه لم يتخذ ولدا ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
والثالث : أنه لا شريك له في ملكه .