تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
كلام القرطبي . وقال أبو حيان في البحر المحيط : قال ابن عباس : تبارك لم يزل ، ولا يزول : وقال الخليل : تمجد وقال الضحاك : تعظم ، وحكى الأصمعي : تباركت عليكم من قول عربي صعد رابية فقال ذلك لأصحابه : أي تعاليت وارتفعت . ففي هذه الأقوال تكون صفة ذات ، وقال ابن عباس أيضا ، والحسن والنخعي : هو من البركة ، وهو التزايد في الخير من قبله . فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر ، وعلى هذا يكون صفة فعل . انتهى محل الغرض من كلام أبي حيان . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الأظهر في معنى تبارك بحسب اللغة التي نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة ، كما جزم به ابن جرير الطبري ، وعليه فمعنى تبارك تكاثرت البركات والخيرات من قبله ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ، لأن من تأتي من قبله البركات والخيرات ويدر الأرزاق على الناس هو وحده المتفرد بالعظمة ، واستحقاق إخلاص العبادة له ، والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير ، ولا رزق كالأصنام ، وسائر المعبودات من دون اللّه لا يصح أن يعبد وعبادته كفر مخلد في نار جهنم ، وقد أشار تعالى إلى هذا في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 17 ) [ العنكبوت : 17 ] وقوله تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ
( 73 ) [ النحل : 73 ] وقوله تعالى :
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
[ الأنعام : 14 ] وقوله تعالى :
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
( 58 ) [ الذاريات : 57 - 58 ] وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
( 14 ) [ غافر : 13 - 14 ] الآية . تنبيه اعلم أن قوله تبارك فعل جامد لا يتصرف ، فلا يأتي منه مضارع ، ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا غير ذلك ، وهو مما يختص به اللّه تعالى ، فلا يقال لغيره تبارك خلافا لما تقدم عن الأصمعي ، وإسناده تبارك إلى قوله :
الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ
يدل على أن إنزاله الفرقان على عبده من أعظم البركات والخيرات والنعم التي أنعم بها على خلقه ، كما أوضحناه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] الآية . وذكرنا الآيات الدالة على ذلك ، وإطلاق العرب تبارك مسندا إلى اللّه تعالى معروف في كلامهم ومنه قول الطرماح :
تباركت لا معط لشيء منعته * وليس لما أعطيت يا رب مانع