تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وقيل : الزلازل والأهوال ، وهو مروي عن عطاء . وقيل : السلطان الجائر ، وهو مروي عن جعفر بن محمد . قال بعضهم : هي الطبع على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم . وقال بعض العلماء : فتنة : محنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : قد دلّ استقراء القرآن العظيم أن الفتنة فيه أطلقت على أربعة معان . الأول : أن يراد بها الإحراق بالنار كقوله تعالى :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
( 13 ) [ الذاريات : 13 ] وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ البروج : 10 ] الآية . أي أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك . الثاني : وهو أشهرها إطلاق الفتنة على الاختبار كقوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] الآية . وقوله تعالى :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
[ الجن : 16 - 17 ] . والثالث : إطلاق الفتنة على نتيجة الاختيار إن كانت سيئة كقوله تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ البقرة : 193 ] . وفي الأنفال :
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
[ الأنفال : 39 ] . فقوله :
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
[ البقرة : 193 ] أي حتى لا يبقى شرك على أصح التفسيرين ، ويدل على صحته قوله بعده :
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ البقرة : 193 ] ، لأن الدين لا يكون كله للّه حتى لا يبقى شرك كما ترى ، ويوضح ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلّم « أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا اللّه » « 1 » كما لا يخفى . والرابع : إطلاق الفتنة على الحجّة في قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 )
[ الأنعام : 23 ] ، أي لم تكن حجّتهم ، كما قال به بعض أهل العلم . والأظهر عندي : أن الفتنة في قوله هنا :
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أنه من النوع الثالث من الأنواع المذكورة . وأن معناه أن يفتنهم اللّه أي يزيدهم ضلالا بسبب مخالفتهم ، عن أمره ، وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلّم . وهذا المعنى تدلّ عليه آيات كثيرة من كتاب اللّه تعالى ، كقوله جلّ وعلا :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) [ المطففين : 14 ] وقوله تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] وقوله تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] الآية . وقوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ التوبة : 125 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة والعلم عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .