أظهر عندي : وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول ، وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا .
وبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية : حتى تستأذنوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم ، فكتبوا تستأنسوا غلطا بدل تستأذنوا لا يعول عليه ، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس ، وإن صحح سنده عنه بعض أهل العلم . ولو فرضنا صحته فهو من القراءات التي نسخت وتركت ، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك ، لأن جميع الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني ، وعلى تلاوتها بلفظ : تستأنسوا ، ومضى على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير . والقرآن العظيم تولى اللّه تعالى حفظه من التبديل والتغيير ، كما قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر : 9 ] وقال فيه
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
( 42 ) [ فصلت : 42 ] وقال تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 )
[ القيامة : 16 - 17 ] الآية .
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : [ دلالة الآية الكريمة على أن دخول الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز ]
اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز لأن قوله
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ
الآية . نهي صريح ، والنهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح ، كما تقرر في الأصول .
المسألة الثانية : اعلم أن الاستئذان ثلاث مرات ، يقول المستأذن في كل واحدة منها :
السلام عليكم أأدخل ؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة ، فليرجع ، ولا يزد على الثلاث ، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه ، لأنه ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثبوتا لا مطعن فيه .
قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا علي بن عبد اللّه ، حدثنا سفيان ، حدثنا يزيد بن خصيفة ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : كنت في مجلس عن مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال : استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي ، فرجعت فقال : ما منعك ؟ قلت : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع » فقال : واللّه لتقيمنّ عليه ببيّنة أمنكم أحد سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال أبيّ بن كعب : واللّه لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، فكنت أصغر القوم فقمت معه ، فأخبرت عمران أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال ذلك .
وقال ابن المبارك : أخبرني ابن عيينة : حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر سمعت أبا سعيد بهذا اه بلفظه من صحيح البخاري « 1 » ، وهو نص صحيح صريح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن
هامش
( 1 ) كتاب الاستئذان حديث 6245 .