تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
عن الاستئذان بالاستئناس ، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى : ، وقال ابن حجر في الفتح : وحكى الطحاوي : أن الاستئناس في لغة ليمن : الاستئذان . وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان ، ولكل منهما شاهد من كتاب اللّه تعالى . الوجه الأول : أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش ، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه ، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش ، ولما كان الاستئناس لازما للإذن أطلق اللازم ، وأريد ملزوم الذي هو الإذن ، وإطلاق اللازم ، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف ، والقائلون بالمجاز يقولون : إن ذلك من المجاز المرسل ، وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى : حتى تستأذنوا ، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
[ الأحزاب : 53 ] ، وقوله تعالى بعده :
فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
[ النور : 28 ] ، وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره : وهذا من قبيل الكناية ، والارداف ، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الأذن . الوجه الثاني في الآية : هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام ، والاستكشاف . فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا أو علمه . والمعنى : حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال ، هل يؤذن لكم أو لا ؟ وتقول العرب : استئنس هل ترى أحدا ، واستأنست فلم أر أحدا ، أي تعرفت واستعلمت ، ومن هذا المعنى قوله تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] أي علمتم رشدهم وظهر لكم . وقوله تعالى عن موسى :
إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ
[ طه : 10 ] وقوله تعالى :
* فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً
[ القصص : 29 ] الآية فمعنى آنس نارا : رآها مكشوفة . ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان :
كأن رحلي وقد زال النهار بنا * بذي الجليل على مستأنس وحد
من وحش وجرة موشى أكارعه * طاوى المصير كيف الصيقل الفرد
فقوله على مستأنس يعني : حمار وحش شبه به ناقته ، ومعنى كونه مستأنسا أنه يستكشف ، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم . ومنه أيضا قول الحرث بن حلزة اليشكري : يصف نعامة شبه بها ناقته :
آنست نبأة وأفزعها القنا * ص عصرا وقد دنا الإمساء
فقوله : آنست نبأة : أي أحست بصوت خفي ، وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا ، هل يؤذن لكم وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون بالاستئذان