كبعه مدا بكذا يدا بيد * وكر زيد أسدا أي كأسد
فقوله « وكر زيد أسدا أي كأسد » مثال لمبدى التأول ، لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابها للأسد كما ذكرنا - واعلم أن حذف القول وإثبات مقولة مطرد في اللغة العربية ، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفا . لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقولة قليل جدا ، ومنه قول الشاعر :
لنحن الألى قلتم فأنى ملئتم * برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا
لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم ، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول القول .
وقوله
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا
[ الأنعام : 94 ] عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل ، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل . والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جدا في القرآن العظيم ، ومنه قوله هنا :
وَحَشَرْناهُمْ
[ الكهف : 47 ] ، وقوله :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ
[ الكهف : 48 ] ، وقوله :
لَقَدْ جِئْتُمُونا
. ومنه قوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] ، وقوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
[ الكهف : 99 ] ، وقوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الزمر : 71 ] وقوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
[ الزمر : 73 ] ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا .
قوله تعالى :
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 )
[ 48 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الكفار زعموا أن اللّه لن يجعل لهم موعدا .
والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه . والمعنى : أنهم زعموا أن اللّه لم يجعل وقتا ولا مكانا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب . . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم البعث - جاء مبينا في آيات كثيرة ، كقوله تعالى :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا
[ التغابن : 7 ] الآية . وقوله عنهم :
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
( 29 ) [ الأنعام : 29 ] ،
وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
( 35 ) [ الدخان : 35 ] ونحو ذلك من الآيات .
وقد بين اللّه تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة ؛ كقوله في هذه السورة الكريمة :
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
( 58 ) [ الكهف : 58 ] ، وقوله
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ
[ التغابن : 7 ] الآية ، وقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
[ النحل : 38 ] ، وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
( 104 ) [ الأنبياء : 104 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . وقد قدمنا في سورة « البقرة » وسورة « النحل » - البراهين التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
بَلْ زَعَمْتُمْ
إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر ، لا إبطالي كما هو واضح . وأن في قوله
أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ
. مخففة من الثقيلة ، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها ، والاسم ضمير الشأن المحذوف ؛ على حد قوله في الخلاصة : وإن