صَواباً
( 38 ) [ النبأ : 38 ] .
فإذا علمت أن اللّه جل وعلا ذكر في هذه الآية الكريمة حالا من أحوال عرض الخلائق عليه يوم القيامة - فاعلم أنه بين في مواضع أخر أشياء أخر من أحوال عرضهم عليه ؛ كقوله :
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
( 18 ) [ الحاقة : 18 ] . وبين في مواضع أخر ما يلاقيه الكفار ، وما يقال لهم عند ذلك العرض على ربهم ؛ كقوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
[ هود : 18 - 19 ] .
وقوله في هذه الآية الكريمة
صَفًّا
أصله مصدر ، والمصدر المنكر قد يكون حالا على حد قوله في الخلاصة :
ومصدر منكر حالا يقع * بكثرة كبغتة زيد طلع
قوله تعالى :
لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ 48 ] آية .
هذا الكلام مقول قول محذوف . وحذف القول مطرد في اللغة العربية ، كثير جدا في القرآن العظيم . والمعنى : يقال لهم يوم القيامة لقد جئتمونا ، أي واللّه لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ، أي حفاة عراة غرلا ، أي غير مختونين ، كل واحد منكم فرد لا مال معه ولا ولد ، ولا خدم ولا حشم .
وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
( 94 ) [ الأنعام : 94 ] ، وقوله :
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
( 95 ) [ مريم : 94 - 95 ] وقوله تعالى :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا
[ يوسف : 104 ] الآية ، وقوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( 29 ) [ الأعراف : 29 ] تقدم .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
كَما خَلَقْناكُمْ
« ما » مصدرية ، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف . وإيضاح تقريره : ولقد جئتمونا كما خلقناكم ، أي مجيئا مثل مجيء خلقكم ، أي حفاة غراة غرلا كما جاء في الحديث ، وخالين من المال والولد . وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر . ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضا حالا ، أي جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى ، لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :
ويكثر الجمود في سعر وفي * مبدي تأول بلا تكلف