القول الثاني - أن الآية لا تعلق لها بما قبلها . أن المعنى : إذا وقع منك النسيان لشئ فاذكر اللّه ؛ لأن النسيان من الشيطان ؛ كما قال تعالى عن فتى موسى :
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
[ الكهف : 63 ] ، وكقوله :
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
[ المجادلة : 19 ] ، وقال تعالى :
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 68 ) [ الأنعام : 68 ] وذكر اللّه تعالى يطرد الشيطان ، كما يدل لذلك قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
( 36 ) [ الزخرف : 36 ] وقوله تعالى :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلهِ النَّاسِ ( 3 ) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ
[ الناس :
1 - 4 ] الآية ؛ أي الوسواس عند الغفلة عن ذكر اللّه . الخناس الذي يخنس ويتأخر صاغرا عند ذكر اللّه ، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان . وقال بعضهم :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
أي صل الصلاة التي كنت ناسيا لها عند ذكرك لها ، كما قال تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
( 14 ) [ طه : 14 ] وقول من قال إذا نسيت ، أي إذا غضبت ظاهر السقوط .
مسألة
اشتهر على ألسنة العلماء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه استنبط من هذه الآية الكريمة . أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمنا طويلا قال بعضهم إلى شهر . وقال بعضهم : إلى سنة . وقال بعضهم عنه : له الاستثناء أبدا . ووجه أخذه ذلك من الآية : أن اللّه تعالى نهى نبيه أن يقول : إنه سيفعل شيئا في المستقبل إلا من الاستثناء بأن شاء اللّه . ثم قال :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
، أي إن نسيت تستثنى بأن شاء اللّه فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب .
والتحقيق الذي لا شك فيه - أن الاستثناء لا يصح إلا متقرنا بالمستثنى منه . وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين . ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك ، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك ، وهذا في غاية البطلان كما ترى . ويحكى عن المنصور أنه بلغه أن أبا حنيفة رحمه اللّه يخالف مذهب ابن عباس المذكور ؛ فاستحضره لينكر عليه ذلك ، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور : هذا يرجع عليك ! إنك تأخذ البيعة بالأيمان ، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك ! ؟
فاستحسن كلامه ورضي عنه .
فائدة
قال ابن العربي المالكي : سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها : لو كان مذهب ابن عباس صحيحا في الاستثناء ما قال اللّه تعالى لأيوب :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
[ ص :
44 ] بل يقول استثن بأن شاء اللّه - انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود في شرح وقوله