بمدة لبثهم في قوله :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
( 25 ) [ الكهف : 25 ] ثم أمره مع ذلك برد العلم إليه جل وعلا في قوله جل وعلا :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الكهف : 26 ] الآية . وما قدمنا من أنه لا قائل برابع قاله ابن كثير أخذا من ظاهر الآية الكريمة . مع أن ابن إسحاق وابن جريج قالا : كانوا ثمانية . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ 23 - 24 ] الآية .
نهى اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة أن يقول : إنه سيفعل شيئا في المستقبل إلا معلقا ذلك على مشيئة اللّه الذي لا يقع شيء في العالم كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا فقوله :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ
[ الكهف : 23 ] أي لا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل إني فاعل ذلك الشيء غدا . والمراد بالغد : ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد . ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من الزمان ؛ ومنه قول زهير :
واعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم
يعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل ، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك .
وقوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 24 ] إلا قائلا في ذلك إلا أن يشاء اللّه ، أي معلقا بمشيئة اللّه . أو لا تقولنه إلا بأن شاء اللّه ، أي إلا بمشيئة اللّه . وهو في موضع الحال ، يعني إلا متلبسا بمشيئة اللّه قائلا إن شاء اللّه ، قاله الزمخشري وغيره .
وسبب نزول هذه الآية الكريمة - أن اليهود قالوا لقريش : سلوا محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » عن الروح ، وعن رجل طواف في الأرض ( يعنون ذا القرنين ) ، وعن فتية لهم قصة عجيبة في الزمان الماضي ( يعنون أصحاب الكهف ) . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سأخبركم غدا عما سألتم عنه » ولم يقل إن شاء اللّه ، فلبث عنه الوحي مدة ، قيل خمس عشرة ليلة ، وقيل غير ذلك . فأحزنه تأخر الوحي عنه ، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة ، قال في الروح :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] الآية . وقال في الفتية
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ
[ الكهف : 13 ] الآيات إلى آخر قصتهم . وقال في الرجل الطواف :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً
( 83 ) [ الكهف : 83 ] الآيات إلى آخر قصته « 1 » .
فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة وسبب نزولها ، وأن اللّه عاتب نبيه فيها على عدم قوله إن شاء اللّه ، لما قال لهم سأخبركم غدا - فاعلم أنه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 15 / 127 ، 128 .