أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك . وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديما وحديثا بالقبول ، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة . وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة « الكهف » ، في الكلام على قوله
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ
الآية ؛ ولذلك اختصرناها هنا . أما هذه الأمة فقد صرح اللّه تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
[ النحل : 106 ] . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ( 21 )
[ 21 ] .
لم يبين اللّه هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم ، هل هم من المسلمين أو من الكفار ؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين : أحدهما - أنهم كفار ، والثاني - أنهم مسلمون ، وهي قولهم :
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً
( 21 ) لأن اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار . هكذا قال بعض أهل العلم . ولقائل أن يقول : اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ، لا من فعل المسلمين ، وقد قدمنا ذلك مستوفي بأدلته في سورة « الحجر » في الكلام على قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
( 80 ) [ الحجر : 80 ] .
قوله تعالى :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ
[ 22 ] .
أخبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف ، فذكر ثلاثة أقوال . على أنه لا قائل برابع ، وجاء في الآية الكريمة بقرينة تدل على أن القول الثالث هو الصحيح والأرلان باطلان ، لأنه لما ذكر القولين الأولين بقوله :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
أتبع ذلك بقوله
رَجْماً بِالْغَيْبِ
أي قولا بلا علم ، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب ، وإن أصاب بلا قصد ، كقوله :
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ
[ سبأ : 53 ] وقال القرطبي : الرجم القول بالظن ، يقال لكل ما يخرص رجم فيه ومرجوم ومرجم كما قال زهير :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم
ثم حكى القول الثالث بقوله :
وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
فأقره ، ولم يذكر بعده أن ذلك رجم بالغيب ، فدل على أن الصحيح . وقوله
ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ
قال ابن عباس : أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم ، كانوا سبعة . وقوله :
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ
فيه تعليم للناس أن يردوا علم الأشياء إلى خالقها جل وعلا وإن علموا بها ، كما أعلم نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .