تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 )
[ 26 ] . قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر « ولا يشرك » بالياء المثناة التحتية ، وضم الكاف على الخبر ، ولا نافية - والمعنى : ولا يشرك اللّه جل وعلا أحدا في حكمه ، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة ، فالحلال ما أحله تعالى ، والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه ؛ والقضاء ما قضاه . وقرأه ابن عامر من السبعة ؛ « ولا تشرك » بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي ، أي لا تشرك يا نبي اللّه . أو لا تشرك أيها المخاطب أحدا في حكم اللّه جل وعلا ، بل أخلص الحكم للّه من شوائب شرك غيره في الحكم . وحكمه جل وعلا المذكور في قوله :
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً
( 26 ) شامل لكل ما يقضيه جل وعلا . ويدخل في ذلك التشريع دخولا أوليا . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم للّه وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات أخر ؛ كقوله تعالى :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ يوسف : 40 ] وقوله تعالى :
وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا
[ يوسف : 67 ] الآية ، وقوله تعالى :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
[ الشورى : 10 ] الآية ، وقوله تعالى :
ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ
( 12 ) [ غافر : 12 ] ، وقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 88 ) [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى :
لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 70 ) [ القصص : 70 ] ، وقوله :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
( 50 ) [ المائدة : 50 ] . وقوله تعالى :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا
[ الأنعام : 114 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . ويفهم من هذه الآيات كقوله
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً
( 26 ) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه اللّه أنهم مشركون باللّه . وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر ؛ كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة اللّه :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
( 121 ) [ الأنعام : 121 ] فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم . وهذا الإشراك في الطاعة ، واتباع التشريع المخالف لما شرعه اللّه تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى :
* أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
( 61 ) [ يس : 60 - 61 ] ، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
( 44 ) [ مريم : 44 ] ، وقوله تعالى :
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً
[ النساء : 117 ] أي ما يعبدون إلا شيطانا ، أي وذلك باتباع