تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
والملة . والمعنى : وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة ، وهي توحيد اللّه على الوجه الأكمل من جميع الجهات ، وامتثال أمره ، واجتناب نهيه بإخلاص في ذلك ؛ على حسب ما شرعه لخلقه
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
( 92 ) أي وحدي . والمعنى دينكم واحد وربكم واحد ، فلم تختلفون
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
أي تفرقوا في الدين وكانوا شيعا ؛ فمنهم يهودي ، ومنهم نصراني ، ومنهم عابد وثن إلى غير ذلك من الفرق المختلفة . ثم بين بقوله :
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
( 93 ) أنهم جميعهم راجعون إليه يوم القيامة ، وسيجازيهم بما فعلوا . وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
المعنى : جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه ؛ فيصير لها نصيب ولذلك نصيب ؛ تمثيلا لاختلافهم فيه ، وصيرورتهم فرقا شتى ا ه . وظاهر الآية أن « تقطع » متعدية إلى المفعول ومفعولها « أمرهم » ومعنى تقطعوه . أنهم جعلوه قطعا كما ذكرنا . وقال القرطبي قال الأزهري :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ
أي تفرقوا في أمرهم فنصب « أمرهم » بحذف « في » ومن إطلاق الأمة بمعنى الشريعة والدين كما في هذه الآية : قوله تعالى عن الكفار :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ
[ الزخرف : 22 ] أي على شريعة وملة ودين . ومن ذلك قول نابغة ذبيان :
حلفت فلم أترك في نفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
ومعنى قوله : « وهل يأثمن ذو أمة . . الخ » أن صاحب الدين لا يرتكب الإثم طائعا . وما ذكره جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين : من أن الدين واحد والرب واحد فلا داعي للاختلاف . وأنهم مع ذلك اختلفوا أو صاروا فرقا - أوضحه في سورة
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
وزاد أن كل حزب من الأحزاب المختلفة فرحون بما عندهم ؛ وذلك في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ
( 54 ) [ المؤمنون : 51 - 54 ] . وقوله في هذه الآية
زُبُراً
أي قطعا كزبر الحديد والفضة ، أي قطعها . وقوله
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
( 53 ) أي كل فرقة من هؤلاء الفرق الضالين المختلفين المتقطعين دينهم قطعا - فرحون بباطلهم ، مطمئنون إليه ، معتقدون أنه هو الحق . وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع : أن ما فرحوا به ، واطمئنوا إليه باطل ، كما قال تعالى في سورة « المؤمن » :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 83 ) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
( 84 ) [ غافر : 83 - 84 ] ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 159 ) [ الأنعام : 159 ] .