كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 98 ) [ يونس : 98 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( 88 ) يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى اللّه داعيا بإخلاص ، إلا نجاه اللّه من ذلك الغم ، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا . وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في دعاء يونس المذكور : « لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له » رواه أحمد « 1 » والترمذي « 2 » وابن أبي حاتم وابن جرير « 3 » وغيرهم « 4 » . والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى ، لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين . وقوله
نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( 88 ) صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى . وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( 88 ) بنونين أولاهما مضمومة ، والثانية ساكنة بعدها جيم مكسورة مخففة فياء ساكنة ، وهو مضارع أنجى الرباعي على صيغة أفعل ، والنون الأولى دالة على العظمة ، وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
( 88 ) بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة . وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني للمفعول من نجى المضعفة على وزن فعل بالتضعيف . وفي كلتا القراءتين إشكال معروف . أما قراءة الجمهور فهي من جهة القواعد العربية واضحة لا إشكال فيها ، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى ، وهي : أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة ، فيقال : كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة ؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة بالإشكال من جهة القواعد العربية ، لأن نجى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول ، فالقياس رفع
الْمُؤْمِنِينَ
بعده على أنه نائب الفاعل ، وكذلك القياس فتح ياء « نجى » لا إسكانها .
وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة : منها ما ذكره بعض الأئمة ، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه : أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة « ننجي » بفتح النون الثانية مضارع نجى مضعفا ، فحذفت النون الثانية تخفيفا . أو ننجي بسكونها مضارع أنجى وأدغمت النون في الجيم لاشتراكها في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف ، كما أدغمت في « إجاصة وإجابة » بتشديد الجيم فيهما ، أو الأصل « إنجاصة وإنجانة » فأدغمت النون فيهما . والإجاصة : واحدة الإجاص ، قال في القاموس : الإجاص بالكسر مشددا : ثمر معروف دخيل ، لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة ، الواحدة بهاء . ولا تقل انجاص ،
هامش
( 1 ) المسند 1 / 170 .
( 2 ) كتاب الدعوات حديث 3505 .
( 3 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 65 .
( 4 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء 1 / 505 ، وكتاب التفسير 2 / 382 ، 383 ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ، باب ذكر دعوة ذي النون .