والاكتساب ؛ لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج من الجنة حتى يحرث الأرض ، ثم يزرعها ، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك ، ثم يدرسه ، ثم ينقيه ، ثم يطحنه ، ثم يعجنه ، ثم يخبره . فهذا شقاؤه المذكور .
والدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية : التعب في اكتساب المعيشة قوله تعالى بعده :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
( 119 ) يعني احذر من عدوك أن يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري ، والكسورة والسكن . قال الزمخشري : وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان ، فذكره استجماعها له في الجنة ، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا . وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها ، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها - ا ه .
فقوله في هذه الآية الكريمة :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى
( 118 ) قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب الدنيا في كد المعيشة ليدفع به الجوع والظمأ والعري والضحاء .
والجوع معروف ، والظمأ : العطش . والعري بالضم : خلاف اللبس .
وقوله :
وَلا تَضْحى
( 119 ) أي لا تصير بارزا للشمس ، ليس لك ما تستكن فيه من حرها . تقول العرب : ضحى يضحى ، كرضى يرضى . وضحى يضحى كسعى يسعى إذا كان بارزا لحر الشمس ليس له ما يكنه منه . ومن هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة :
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحي وأما بالعشي فينحصر
وقول الآخر :
ضحيت له كي أستظل بظله * إذا الظل أضحى في القيامة قالصا
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا نافعا وشعبة عن عاصم
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا
بفتح همزة « أن » ، والمصدر المنسبك من « أن » وصلتها معطوف على المصدر المنسبك من « أن » وصلتها في قوله :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ
أي وإن لك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى . ويجوز في المصدر المعطوف المذكور النصب والرفع ، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله :
وجائز رفعك معطوفا على * منصوب إن بعد أن تستكملا
وإيضاح تقدير المصدرين المذكورين : إن لك عدم الجوع فيها ، وعدم الظمأ .
تنبيه
أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها لأن اللّه لما