مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 )
[ 58 - 59 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ فرعون لمّا وعد موسى بأنّه يأتي بسحر مثل ما جاء به موسى في زعمه قال لموسى
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ
والإخلاف : عدم إنجاز الوعد . وقرّر أن يكون مكان الاجتماع المناظرة والمغالبة في السحر في زعمه مكانا سوى . وأصحّ الأقوال في قوله
سُوىً
( 58 ) على قراءة الكسر والضمّ : أنّه مكان وسط تستوي أطراف البلد فيه ؛ لتوسّطها بينها ، فلم يكن أقرب للشرق من الغرب ، ولا الجنوب من الشمال . وهذا هو معنى قول المفسرين
مَكاناً سُوىً
( 58 ) أي نصفا وعدلا ليتمكن جميع الناس أن يحضروا . وقوله :
سُوىً
( 58 ) أصله من الاستواء ؛ لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين لا تفاوت فيها بل هي مستوية . وقوله
سُوىً
فيه ثلاث لغات :
الضم ، والكسر مع القصر ، وفتح السين مع المد . والقراءة بالأوليين دون الثالثة هنا - ومن القراءة بالثالثة
إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
[ آل عمران : 64 ] ومن إطلاق العرب
مَكاناً سُوىً
( 58 ) على المكان المتوسط بين الفريقين قول موسى بن جابر الحنفي ، وقد أنشده أبو عبيدة شاهدا لذلك :
وإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
والفزر : سعد بن زيد مناة بن تميم ؛ يعني حلّ ببلدة مستوية مسافتها بين قيس عيلان والفزر . وأنّ موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام أجاب فرعون إلى ما طلب منه من الموعد ، وقرر أن يكون وقت ذلك يوم الزينة . وأقوال أهل العلم في يوم الزينة راجعة إلى أنّه يوم معروف لهم ، يجتمعون فيه ويتزينون ؛ سواء قلنا : إنه يوم عيد لهم ، أو يوم عاشوراء ، أو يوم النيروز ، أو يوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون فيه بأنواع الزينة .
قال الزمخشري : وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم ليكون علوّ كلمة اللّه وظهور دينه ، وكبت الكافر وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع الغاص لتقوي رغبة من رغب في اتّباع الحق ، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم ، ويكثر المحدّث بذلك الأمر ؛ ليعلم في كل بدو وحضر ، ويشيع في جميع أهل الوبر والحضر ا ه منه . والمصدر المنسبك من « أن » وصلتها في قوله
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى
( 59 ) في محل جرّ عطفا على
الزِّينَةِ
أي موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ، أو في محل رفع عطفا على قوله
يَوْمُ الزِّينَةِ
على قراءة الجمهور بالرفع . والحشر : الجمع - والضحى : من أول النهار حين تشرق الشمس . والضحى يذكّر ويؤنّث ؛ فمن أنّثه ذهب إلى أنّه جمع ضحوة . ومن ذكّره ذهب إلى أنّه اسم مفرد جاء على فعل بضمّ ففتح كصرد وزفر . وهو منصرف إذا لم ترد ضحى يوم معيّن بلا خلاف . وإن أردت ضحى يومك المعيّن فقيل يمنع من الصرف كسحر . وقيل لا .
وما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : من كون المناظرة بين موسى والسحرة عيّن