مَكاناً سُوىً
( 58 ) - هذه هي أوجه الإشكال في هذه الآية الكريمة . وللعلماء عن هذا أجوبة منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف قال : لا يخلو الموعد في قوله
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً
من أن يجعل زمانا أو مكانا أو مصدرا ؛ فإن جعلته زمانا نظرا في أنّ قوله
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
مطابق له لزمك شيئان : أن تجعل الزمان مخلفا وأن يعضل عليك ناصب
مَكاناً
وإن جعلته مكانا لقوله تعالى
مَكاناً سُوىً
( 58 ) لزمك أيضا أن توقع الإخلاف على المكان ، ولا يطابق قوله
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
إلى أن قال : فبقي أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد ويقدر مضاف محذوف ، أي مكان الوعد ، ويجعل الضمير في
نُخْلِفُهُ
للموعد و
مَكاناً
بدل من المكان المحذوف .
فإن قلت : كيف طابقه قوله
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
ولا بد من أن تجعله زمانا والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان ؟
قلت : هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا ؛ لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم ؛ فبذكر الزمان علم المكان . انتهى محل الغرض منه . ولا يخفى ما في جوابه هذا من التعسف والحذف والإبدال من المحذوف .
قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر ما أجيب به عما ذكرنا من الإشكال عندي في هذه الآية الكريمة - أنّ فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد ، وأنّه يكون مكانا سوى ؛ أي وسطا بين أطراف البلد كما بيّنا . وأنّ موسى وافق على ذلك وعيّن زمان الوعد وأنّه يوم الزينة ضحى ؛ لأن الوعد لا بد له من مكان وزمان . فإذا علمت ذلك فاعلم - أنّ الذي يترجّح عندي المصير إليه هو قول من قال في قوله
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً
إنّه اسم مكان أي مكان الوعد ، وقوله
مَكاناً
بدل من قوله موعدا ؛ لأن الموعد إذا كان اسم مكان صار هو نفس المكان فاتضح كون
مَكاناً
بدلا . ولا إشكال في ضمير
نُخْلِفُهُ
على هذا . ووجه إزالة الإشكال عنه أنّ المعروف في فنّ الصرف : أنّ اسم المكان مشتقّ من المصدر كاشتقاق الفعل منه ، فاسم المكان ينحلّ عن مصدر ومكان . فالمنزل مثلا مكان النزول ، والمجلس مكان الجلوس ، والموعد مكان الوعد . فإذا اتّضح لك أن المصدر كامن في مفهوم اسم المكان فالضمير في قوله
لا نُخْلِفُهُ
راجع إلى المصدر الكامن في مفهوم اسم المكان ، كرجوعه للمصدر الكامن في مفهوم الفعل في قوله
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ المائدة : 16 ] : فقوله
هُوَ
أي العدل المفهوم من
اعْدِلُوا
وكذلك قوله تعالى .
لا نُخْلِفُهُ
أي الوعد الكامن في مفهوم اسم المكان الذي هو الموعد ؛ لأنه مكان الوعد ، فمعناه مركب إضافي وآخر جزأيه لفظ الوعد وهو مرجع الضمير في
لا نُخْلِفُهُ .
فإذا عرفت معنى هذا الكلام الذي أخبر اللّه أن فرعون قاله لموسى - فاعلم أن قوله عن موسى
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
يدل على أنه وافق على طلب فرعون ضمنا ، وزاد تعيين