رسولان ؟ كما جاء الرسول مثنى في « طه » فما وجه التثنية في « طه » والإفراد في « الشعراء » ، وكل واحد من اللفظين : المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون ؟
فالّذي يظهر لي - واللّه تعالى أعلم - أنّ لفظ الرسول أصله مصدر وصف به ، والمصدر إذا وصف به ذكر وأفرد كما قدّمنا مرارا . فالإفراد في « الشعراء » نظرا إلى أن أصل الرسول مصدر . والتثنية في « طه » اعتدادا بالوصفية العارضة وإعراضا عن الأصل ، ولهذا يجمع الرسول اعتدادا بوصفيته العارضة ، ويفرد مرادا به الجمع نظرا إلى أن أصله مصدر . ومثال جمعه قوله تعالى :
* تِلْكَ الرُّسُلُ
[ البقرة : 253 ] الآية ، وأمثالها في القرآن . ومثال إفراده مرادا به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي :
ألكنى إليها وخير الرسول * أعلمهم بنواحي الخبر
ومن إطلاق الرسول مرادا به المصدر على الأصل قوله :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بقول ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة . وقول الآخر :
ألا بلغ بني عصم رسولا * بأني عن فتاحتكم غني
يعني أبلغهم رسالة .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ
يراد به جنس الآية الصادق بالعصا واليد وغيرهما ؛ لدلالة آيات أخر على ذلك .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
( 47 ) يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى . ويفهم من الآية : أن من لم يتّبع الهدى لا سلام عليه ، وهو كذلك . ولذا كان في أول الكتاب الذي كتبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل عظيم الروم « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . من محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتّبع الهدى . أمّا بعد - فإني أدعوك بدعاية الإسلام » « 1 » إلى آخر كتابه صلّى اللّه عليه وسلّم .
قوله تعالى :
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 )
[ 48 ] .
ما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة عن موسى وهارون . أنّ اللّه أوحى إليهما أنّ العذاب على من كذّب وتولّى - أشير إلى نحوه في آيات كثيرة من كتاب اللّه تعالى ؛ كقوله :
فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
( 39 ) [ النازعات : 37 - 39 ] ، وقوله تعالى :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى
( 16 ) [ الليل : 14 - 16 ] ؛
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في التفسير حديث 4553 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 74 .