فوارس لم يغالوا في رضاع * فتتبوا في أكفّهم السّيوف
فأخبرته صلّى اللّه عليه وسلّم فارس والروم بأنّهم يفعلون ذلك ولا يضرّ أولادهم ، فأخذ صلّى اللّه عليه وسلّم منهم تلك الخطّة الطّبيّة ، ولم يمنعه من ذلك أنّ أصلها من الكفّار « 1 » .
وقد انتفع صلّى اللّه عليه وسلّم بدلالة ابن الأريقط الدّؤلي له في سفر الهجرة على الطّريق ، مع أنّه كافر « 2 » .
فاتّضح من هذا الدّليل أنّ الموقف الطّبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربيّة - هو أن يجتهدوا في تحصيل ما أنتجته من النّواحي المادّيّة ، ويحذروا ممّا جنته من التّمرّد على خالق الكون جلّ وعلا فتصلح لهم الدّنيا والآخرة . والمؤسف ! أنّ أغلبهم يعكسون القضيّة ، فيأخذون منها الانحطاط الخلقي ، والانسلاخ من الدّين ، والتّباعد من طاعة خالق الكون ، ولا يحصلون على نتيجة ممّا فيها من النّفع المادّي ؛ فخسروا الدّنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين .
وما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا * وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل
وقد قدّمنا طرفا نافعا في كون الدّين لا ينافي التّقدّم المادّي في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقد عرف في تاريخ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه - أنّهم كانوا يسعون في التّقدّم في جميع الميادين مع المحافظة على طاعة خالق السّموات والأرض جلّ وعلا .
وأظهر الأقوال عندي في معنى العهد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
( 78 ) أنّ المعنى : أم أعطاه اللّه عهدا أنّه سيفعل له ذلك ، بدليل قوله تعالى في نظيره في سورة « البقرة » :
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ
[ البقرة : 80 ] .
وخير ما يفسره به القرآن القرآن . وقيل : العهد المذكور : العمل الصّالح . وقيل شهادة أن لا إله إلا اللّه .
قوله تعالى :
سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 )
[ 79 - 80 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه سيكتب ما قاله ذلك الكافر افتراء عليه . من أنّه يوم القيامة يؤتى مالا وولدا مع كفره باللّه ، وأنّه يمدّ له من العذاب مدّا . قال القرطبيّ في
هامش
( 1 ) أخرجه عن جدامة بنت وهب الأسدية : مسلم في النكاح حديث 140 و 141 و 142 ، وأبو داود في الطب حديث 3882 ، والترمذي في الطب حديث 3076 ، والنسائي في النكاح ، باب الغيلة ، وابن ماجة في النكاح حديث 2011 ، وأحمد في المسند 6 / 434 .
( 2 ) أخرجه عن عائشة البخاري في الإجارة حديث 2263 و 2264 .