تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وأمّا على كون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه غير عالمين بها فلا يمكن لابن أبي دؤاد أن يدّعي أنّه عالم بها مع عدم علمهم بها ؛ فظهر ضلاله على كل تقدير ، ولذلك سقط من عين الواثق ، وترك الواثق لذلك امتحان أهل العلم . فكان هذا الدّليل العظيم أوّل مصدر تاريخيّ لضعف هذه المحنة الكبرى ؛ حتّى أزالها اللّه بالكلّيّة على يد المتوكّل رحمه اللّه ، وفي هذا منقبة تاريخيّة عظيمة لهذا الدّليل المذكور . ومن آثار هذا الدّليل التاريخّية - ما ذكره بعض المؤرّخين : من أنّ عبد اللّه بن همّام السّلوليّ وشى به واش إلى عبيد اللّه بن زياد ؛ فأدخل ابن زياد الواشي في محل قريب من مجلسه ، ثم نادى ابن همّام السّلوليّ وقال له : ما حملك على أن تقول في كذا وكذا . . ! ؟ فقال السلوليّ : أصلح اللّه الأمير ! واللّه ما قلت شيئا من ذلك ! ! فأخرج ابن زياد الواشي ، وقال : هذا أخبرني أنّك قلت ذلك . فسكت ابن همّام هنيهة ثمّ قال مخاطبا للواشي :
وأنت امرؤ ائتمنتك خاليا * فخنت وإمّا قلت قولان بلا علم
فأنت من الأمر الّذي كان بيننا * بمنزلة بين الخيانة والإثم
فقال ابن زياد : صدقت ! وطرد الواشي . وحاصل هذين البيتين الّذين طرد بهما ابن زياد الواشي ولم يتعرض للسّلولي بسوء بسببهما - هو هذا الدّليل العظيم المذكور . فكأنّه يقول له : لا يخلو قولك هذا من أحد أمرين : إمّا أن أكون ائتمنتك على سرّ فأفشيته . وإما أن تكون قلته علي كذبا . ثم رجع بالسير إلى القسمين المذكورين فبيّن أنّ الواشي مرتكب ما لا ينبغي على كلّ تقدير من التّقديرين ، لأنّه إذا كان ائتمنه على سرّ فأفشاه فهو خائن له ، وإن كان قال عليه ذلك كذبا وافتراء فالأمر واضح .

المسألة السادسة اعلم أنّ بين الدّليل التاريخيّ العظيم يوضّح غاية الإيضاح موقف المسلمين الطّبيعيّ من الحضارة الغربيّة .

وبذلك الإيضاح التامّ يتميّز النافع من الضّارّ ، والحسن من القبيح ، والحقّ من الباطل . وذلك أنّ الاستقراء التّامّ القطعيّ دلّ على أنّ الحضارة الغربيّة المذكورة تشتمل على نافع وضارّ : أمّا النّافع منها - فهو من النّاحية المادّيّة وتقدّمها في جميع الميادين المادّيّة أوضح من أن أبيّنه . وما تضمّنته من المنافع للإنسان أعظم ممّا كان يدخل تحت التّصور ، فقد خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث إنّه جسد حيوانيّ . وأمّا الضّارّ منها - فهو إهمالها بالكلّيّة للنّاحية الّتي هي رأس كلّ خير ، ولا خير البتّة في الدّنيا بدونها ، وهي التّربية الرّوحيّة للإنسان وتهذيب أخلاقه . وذلك لا يكون إلّا بنور الوحي السّماوي الّذي يوضّح للإنسان طريق السعادة ، ويرسم له الخطط الحكميّة في كل ميادين الحياة الدّنيا والآخرة ، ويجعله على صلة برّبه في كل أوقاته .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 288 | الشنقيطي