وخيل قد دلفت لها بخيل * تحيّة بينهم ضرب وجميع
أي لا تحيّة بينهم إلّا الضّرب الوجيع . وقول الآخر :
شجعاء جرّتها الذّميل تلوكه * أصلا إذا راح المطيّ غراثا
يعني أنّ هذه النّاقة لا جرّة لها تخرجها من كرشها فتمضغها إلا السّير ، وعلى هذا المعنى فالمراد : لا ثواب لهم إلا النّار . وباعتبار جعلها ثوابا بهذا المعنى فضّل عليها ثواب المؤمنين . هذا هو حاصل جواب الزّمخشري مع إيضاحنا له .
قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من هذا ، وهو أنّا قدّمنا أنّ القرآن والسّنة الصّحيحة دلّا على أنّ الكافر مجازى بعمله الصّالح في الدّنيا ، فإذا برّ والديه ونفّس عن المكروب ، وقرى الضّيف ، ووصل الرّحم مثلا يبتغي بذلك وجه اللّه فإنّ اللّه يثيبه في الدّنيا ، كما قدّمنا دلالة الآيات عليه ، وحديث أنس عند مسلم . فثوابه هذا الراجع إليه من عمله في الدنيا ، هو الّذي فضّل اللّه عليه في الآية ثواب المؤمنين . وهذا واضح لا إشكال فيه . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 )
[ 77 ] .
أخرج الشّيخان وغيرهما من غير وجه عن خبّاب بن الأرت رضي اللّه عنه قال : « جئت العاص بن وائل السّهميّ أتقاضاه حقّا لي عنده ؛ فقال : لا أعطيك حتّى تكفر بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم .
فقلت : لا ؟ حتّى تموت ثمّ تبعث . قال : وإنّي لميّت ثمّ مبعوث ؟ ؟ قلت نعم . قال : إنّ لي هناك مالا فأقضيك ؛ فنزلت هذه الآية :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
( 77 ) [ مريم : 77 ] . وقال بعض أهل العلم : إنّ مراده بقوله :
لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
( 77 ) الاستهزاء بالدّين وبخبّاب بن الأرتّ رضي اللّه عنه ، والظّاهر - أنّه زعم أنّه يؤتى مالا وولدا قياسا منه للآخرة على الدّنيا ، كما بيّنّا الآيات الدّالّة على ذلك ؛ كقوله :
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] ، وقوله :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
[ المؤمنون : 55 - 56 ] الآية ، وقوله :
وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
( 35 ) [ سبأ : 35 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدّم إيضاحه . وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي
وَوَلَداً
بضم الواو الثّانية وسكون الّلام . وقرأه الباقون بفتح الواو والّلام معا ، وهما لغتان معناهما واحد كالعرب والعرب ، والعدم والعدم . ومن إطلاق العرب الولد بضمّ الواو وسكون الّلام كقراءة حمزة والكسائي قول الحارث بن حلزة :
ولقد رأيت معاشرا * قد ثمّروا مالا وولدا
وقول رؤبة :
الحمد للّه العزيز فردا * لم يتّخذ من ولد شيء ولدا