تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
قريبا بعض الآيات الدّالّة عليه . وممّا يؤيّد هذا الوجه ما أخرجه ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال : في حرف أبي : « قل من كان في الضلالة فإنّه يزيده اللّه ضلالة » ا ه قاله صاحب الدّرّ المنثور . ومثل هذا من جنس التّفسير لا من جنس القراءة ؛ فإن قيل على هذا الوجه ؛ ما النّكتة في إطلاق صيغة الطّلب في معنى الخبر ؟ فالجواب - أنّ الزّمخشري أجاب في كشّافه عن ذلك . قال في تفسير قوله تعالى :
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
أي مدّ له الرحمن ، يعني أمهله وأملى له في العمر ؛ فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك ، وأنّه مفعول لا محالة ، كالمأمور به الممتثّل لتنقطع معاذير الضّالّ ، ويقال له يوم القيامة :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
[ فاطر : 37 ] ا ه محلّ الغرض منه . وأظهر الأقوال عندي في قوله :
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ
أنّه متعلّق بما قبله يليه ، والمعنى : فليمدد له الرحمن مدا حتّى إذا رأى ما يوعد علم أنّ الأمر على خلاف ما كان يظنّ . وقال الزّمخشريّ : إنّ
حَتَّى
في هذه الآية هي الّتي تحكي بعدها الجمل . واستدلّ على ذلك بمجيء الجملة الشّرطيّة بعدها . وقوله
ما يُوعَدُونَ
لفظة
ما
مفعول به ل
رَأَوْا
. وقوله ؛
إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ
بدل من المفعول به الّذي هو
ما
ولفظة
مَنْ
من قوله
فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ
الآية ، قال بعض العلماء : هي موصولة في محل نصب على المفعول به ليعلمون . وعليه فعلم هنا عرفانيّة تتعدّى إلى مفعول واحد . وقال بعض أهل العلم :
مَنْ
استفهاميّة والفعل القلبيّ الذي هو يعلمون معلّق بالاستفهام . وهذا أظهر عندي . وقوله :
شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً
( 75 ) في مقابلة قولهم :
خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا
( 73 ) [ مريم : 73 ] لأنّ مقامهم هو مكانهم ومسكنهم . والنّدي : المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم . والجند هم الأنصار والأعوان ، فالمقابلة المذكورة ظاهرة . وقد دلّت آية من كتاب اللّه على إطلاق
شَرٌّ مَكاناً
. والمراد اتّصاف الشّخص بالشّرّ لا المكان ؛ وهو قوله تعالى :
* قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً
[ يوسف : 77 ] فتفضيل المكان في الشّرّ ها هنا الظّاهر أنّ المراد به تفضيله إخوته في الشرّ على نفسه فيما نسبوا إليه من شرّ السّرقة لا نفس المكان . اللّهم إلّا أن يراد بذلك المكان المعنويّ : أي أنتم شرّ منزلة عند اللّه تعالى . وقوله في هذه الآيات المذكورة مقاما ، ونديّا ، وأثاثا ، ومكانا وجندا كلّ واحد منها تمييز محوّل عن الفاعل ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :
والفاعل المعنى انصبنّ بأفعلا * مفضّلا كأنت أعلى منزلا
قوله تعالى :
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ