بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
الآية ؟ فالجواب - أنّه راجع إلى الكفّار المذكورين في قوله :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ
[ مريم : 66 ] الآية ، وقوله :
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
( 72 ) [ مريم : 72 ] قاله القرطبيّ . واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 )
[ 75 ] .
في معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التّفسير معروفان عند العلماء ، وكلاهما يشهد له قرآن :
الأوّل - أنّ اللّه جلّ وعلا أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة أن يقول هذه الكلمات كدعاء المباهلة بينه وبين المشركين . وإيضاح معناه : قل يا نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهؤلاء المشركين الذين ادّعوا أنّهم خير منكم ، وأنّ الدّليل على ذلك أنّهم خير منكم مقاما وأحسن منكم نديّا - من كان منّا ومنكم في الضّلالة أي الكفر والضّلال عن طريق الحقّ فليمدد له الرّحمن مدّا ، أي فأمهله الرّحمن إمهالا فيما هو فيه حتّى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه ، بل يستمرّ على ذلك حتّى يرى ما يوعده اللّه ، وهو : إمّا عذاب في الدّنيا بأيدي المسلمين ، كقوله
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ التوبة : 14 ] أو بغير ذلك . وإمّا عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر . وعلى ذلك التّفسير فصيغة الطّلب المدلول عليها باللّام في قوله
فَلْيَمْدُدْ
على بابها . وعليه فهي لام الدّعاء بالإمهال في الضّلال على الضّالّ من الفريقين ، حتى يرى ما يوعده من الشّرّ وهو على أقبح حال من الكفر والضّلال .
واقتصر على هذا التّفسير ابن كثير وابن جرير ، وهو الظّاهر من صيغة الطّلب في قوله
فَلْيَمْدُدْ
ونظير هذا المعنى في القرآن قوله تعالى :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
( 61 ) [ آل عمران : 61 ] لأنّه على ذلك التّفسير يكون في كلتا الآيتين دعاء بالشّرّ على الضّالّ من الطّائفتين . وكذلك قوله تعالى في اليهود :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 94 ) [ البقرة : 94 ] في « البقرة والجمعة » عند من يقول : إنّ المراد بالتّمنّي الدّعاء بالموت على الكاذبين من الطّائفتين ، وهو اختيار ابن كثير . وظاهر الآية لا يساعد عليه .
الوجه الثاني - أنّ صيغة الطلب في قوله
فَلْيَمْدُدْ
يراد بها الإخبار عن سنّة اللّه في الضّالّين . وعليه فالمعنى : أنّ اللّه أجرى العادة بأنّه يمهل الضّالّ ويملي له فيستدرجه بذلك حتّى يرى ما يوعده ، وهو في غفلة وكفر وضلال .
وتشهد لهذا الوجه آيات كثيرة ، كقوله :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران : 178 ] الآية ، وقوله :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأنعام : 44 ] الآية ، كما قدّمنا