مَرَدًّا ( 76 )
[ 76 ] .
قوله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة :
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
دليل على رجحان القول الثّاني في الآية المتقدّمة . وأنّ المعنى : أنّ من كان في الضّلالة زاده اللّه ضلالة ، ومن اهتدى زاده اللّه هدى . والآيات الدّالّة على هذا المعنى كثيرة ، كقوله في الضلال
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] ، وقوله :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] ، وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ المنافقون :
3 ] ، وقوله تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 110 ] الآية ، كما قدّمنا كثيرا من الآيات الدّالّة على هذا المعنى .
وقال في الهدى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
( 17 ) [ محمد : 17 ] ، وقال :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ
[ الفتح : 4 ] ، وقال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] الآية : وقد جمع بينهما في آيات أخر ؛ كقوله :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
( 82 ) [ الإسراء : 82 ] ، وقوله تعالى :
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] الآية ، وقوله تعالى :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
( 125 ) [ التوبة : 124 - 125 ] كما تقدم إيضاحه .
وقوله :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا
( 76 ) تقدم إيضاحه في سورة « الكهف » .
فإن قيل : ظاهر الآية أنّ لفظة
خَيْرٌ
في قوله :
ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا
( 76 ) صيغة تفضيل ، والظّاهر أنّ المفضّل عليه هو جزاء الكافرين ؛ ويدلّ لذلك ما قاله صاحب الدّرّ المنثور ، قال : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله :
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً
. يعني خير جزاء من جزاء المشركين .
وَخَيْرٌ مَرَدًّا
يعني مرجحا من مرجعهم إلى النّار . والمعروف في العربيّة أنّ صيغة التّفضيل تقتضي مشاركة المفضّل عليه . والخيريّة منفيّة بتاتا عن جزاء المشركين وعن مردّهم ، فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتّى يفضّلوا عليهم .
فالجواب - أنّ الزّمخشري في كشّافه حاول الجواب عن هذا السّؤال بما حاصله : أنّه كأنّه قيل ثوابهم النّار ، والجنّة خير منها على طريقة قول بشر بن أبي حازم :
غضبت تميم أن تقتّل عامر * يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم
فقوله : « أعتبوا بالصّيلم » يعني أرضوا بالسّيف ، أي لا رضى لهم عندنا إلّا السيّف لقتلهم به . ونظيره قول عمرو بن معدي كرب :