تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
اللّه تعالى . وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضا في سورة « الزخرف » في قوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
( 65 ) [ الزخرف : 63 - 65 ] وما أشار إليه في الآيتين : من أن الذين كفروا بالإفراط أو التفريط في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، أنه لم يعاجلهم بالعذاب ، وأنه يؤخر عذابهم إلى الوقت المحدد لذلك - أشار له في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
( 42 ) [ إبراهيم : 42 ] ، وقوله تعالى :
وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ
( 104 ) [ هود : 104 ] ، وقوله :
وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 53 ) [ العنكبوت : 53 ] . وبالجملة فاللّه تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه ، ولكنه لا يهمله . وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » - ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
( 102 ) [ هود : 102 ] ، وقال تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
( 48 ) [ الحج : 48 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
قال أبو حيان في ( البحر ) : ومعنى قوله « من بينهم » أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين - انتهى محل الغرض منه . قوله تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 )
[ 38 ] . قوله
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
صيغتا تعجب . ومعنى الآية الكريمة : أن الكفار يوم القيامة يسمعون ويبصرون الحقائق التي أخبرتهم بها الرسل سمعا وإبصارا عجيبين ، وأنهم في دار الدنيا في ضلال وغفلة لا يسمعون الحق ولا يبصرونه ؛ وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية الكريمة - بينه في مواضع أخر ؛ كقوله في سمعهم وإبصارهم يوم القيامة :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
( 12 ) [ السجدة : 12 ] ، وقوله تعالى :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( 22 ) [ ق : 22 ] ، وكقوله في غفلتهم في الدنيا وعدم إبصارهم وسمعهم :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
( 1 ) [ الأنبياء : 1 ] ، وقوله :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
( 7 ) [ الروم : 7 ] ، وقوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( 18 ) [ البقرة : 18 ] ، وقوله :
* مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
[ هود : 24 ] الآية . والمراد بالأعمى والأصم : الكفار . والآيات بمثل هذا كثيرة . واعلم أن صيغة التعجب إذا كانت على وزن أفعل به فهي فعل عند الجمهور ، وأكثرهم
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 212 | الشنقيطي