الْحَقُّ
[ الحج : 6 ] الآية . وعلى هذا القول فإعراب قوله تعالى
قَوْلَ الْحَقِّ
على قراءة النصب أنه منصوب على المدح . وعلى قراءة الرفع فهو بدل من « عيسى » أو خبر ، وعلى هذا الوجه ف « قول الحقّ » ، هو « عيسى » كما سماء اللّه كلمة في قوله :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
[ النساء : 171 ] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ
[ آل عمران : 45 ] الآية . وإنما سمى « عيسى » كلمة لأن اللّه أوجده بكلمته التي هي « كن » فكان ؛ كما قال :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
[ آل عمران : 59 ] . والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد .
وقوله :
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
( 34 ) أي يشكون ؛ فالامتراء افتعال من المرية وهي الشك .
وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى اللّه عنه المسلمين على لسان نبيهم في قوله تعالى
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 60 ) وهذا القول الحق الذي أوضح اللّه به حقيقة الأمر في شأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بعد نزوله على نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم - أمره ربه أن يدعو من حاجه في شأن عيسى إلى المباهلة ؛ ثم أخبره أن ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق ، وذلك في قوله تعالى :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
[ آل عمران : 61 - 62 ] الآية . ولما نزلت ودعا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفد نجران إلى المباهلة خافوا الهلاك وأدوا كما هو مشهور .
قوله تعالى
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 )
[ 35 ] .
اعلم أولا أن لفظ « ما كان » يدل على النفي ، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع ، كقوله تعالى :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
[ التوبة : 120 ] الآية . وتارة يدل على التعجيز ، كقوله تعالى :
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
[ النمل : 59 - 60 ] الآية . وتارة يدل على التنزيه ، كقوله هنا :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
وقد أعقبه بقوله
سُبْحانَهُ
أي تنزيها له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله . فقوله
ما كانَ لِلَّهِ
بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا أن يتخذ ولدا ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . والآية كقوله تعالى :
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
( 92 ) [ مريم : 92 ] . وفي هذه الآية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في قولهم « عيسى ابن اللّه » وما نزه عنه جل وعلا نفسه هنا من الولد المزعوم كذبا كعيسى - نزه عنه نفسه في مواضع أخر ، كقوله تعالى :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ