أملح فينادي مناد : يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه . ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ؛ فيذبح . ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت » ثم قرأ
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
[ مريم : 39 ] وهؤلاء في غفلة الدنيا وهم لا يؤمنون » « 1 » - انتهى منه صحيح البخاري .
والحديث مشهور متفق عليه « 2 » - وقراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الآية بعد ذكره ذبح الموت تدل على أن المراد بقوله « إذ قضي الأمر » أي ذبح الموت . وفي معناه أقوال أخر غير هذا تركناها لدلالة الحديث الصحيح على المعنى الذي ذكرنا .
قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 )
[ 40 ] .
معنى قوله جل وعلا في هذه الآية : أنه يرث الأرض ومن عليها : أنه يميت جميع الخلائق الساكنين بالأرض ، ويبقى هو جل وعلا لأنه الحي الذي لا يموت ، ثم يرجعون إليه يوم القيامة . وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
( 27 ) [ الرحمن : 26 - 27 ] وقوله تعالى :
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
( 23 ) [ الحجر : 23 ] إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 )
[ 41 - 45 ] .
أمر اللّه جل وعلا نبيه « محمدا » صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة : أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من اللّه « إبراهيم » عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، ويتلو على الناس في القرآن نبأه مع قومه ودعوته لهم إلى عبادة اللّه وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر . وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في آيات أخر من كتابه جل وعلا . فهذا الذي أمر به نبيه هنا من ذكره في الكتاب إبراهيم
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
الآية - أوضحه في سورة « الشعراء » في قوله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ
( 70 ) [ الشعراء : 69 - 70 ] . فقوله هنا
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
[ مريم : 41 ] هو معنى قوله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ
( 69 ) وزاد في « الشعراء » أن هذا الذي قاله لأبيه من النهي عن عبادة الأوثان قاله أيضا لسائر قومه . وكرر تعالى الإخبار
هامش
( 1 ) أخرجه : البخاري في التفسير حديث 4686 ، ومسلم في البر والصلة والآداب حديث 61 .
( 2 ) أخرجه : البخاري في التفسير حديث 4730 ، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 40 .