كما قدمناه في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على قوله :
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) [ الإسراء : 72 ] .
الثالث - تصاغ من أفعل إذا كانت همزتها لغير النقل خاصة ؛ كأظلم الليل ، وأشكل الأمر . لا إن كانت الهمزة للنقل فلا تصاغ منها ، وهذا هو اختيار أبي الحسن بن عصفور .
وهذه المذاهب مذكورة بأدلتها في كتب النحو وأما قول الزمخشري : فأفعل لا يعمل فليس بصحيح ؛ لأن صيغة التفضيل تمل في التمييز بلا خلاف ، وعليه درج في الخلاصة بقوله :
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا * مفضلا كأنت أعلى منزلا
و
أَمَداً
تمييز كما تقدم ؛ فنصبه بصيغة التفضيل لا إشكال فيه .
وذهب الطبري إلى أن :
أَمَداً
منصوب ب
لَبِثُوا
وقال ابن عطية : إن ذلك غير متجه .
وقال أبو حيان : قد يتجه ذلك ؛ لأن الأمد هو الغاية ، ويكون عبارة عن المدة من حيث إن المدة غاية . و ( ما ) بمعنى الذي ، و
أَمَداً
منتصب على إسقاط الحرف ؛ أي لما لبثوا من أمد ، أي مدة . ويصير من أمد تفسيرا لما انبهم في لفظ
لِما لَبِثُوا
كقوله
* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
[ البقرة : 106 ] ،
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ
[ فاطر : 2 ] ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل .
قال مقيده عفا اللّه عنه : إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب ومنه قول نابغة ذبيان :
إلا لمثلك أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد
وقد قدمنا في سورة « النساء » - أن علي بن سليمان الأخفش الصغير أجاز النصب بنزع الخافض عند أمن اللبس مطلقا . ولكن نصب قوله
أَمَداً
، بقوله
لَبِثُوا
غير سديد كما ذكره الزمخشري وابن عطية وكما لا يخفى ا ه .
وأجاز الكوفيون نصب المفعول بصيغة التفضيل ، وأعربوا قول العباس بن مرداس السلمي :
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا * ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكر وأحمي الحقيقة منهم * وأضرب منا بالسيوف القوانسا
بأن « القوانس » مفعول به لصيغة التفضيل التي هي أضرب . قالوا ولا حاجة لتقدير فعل محذوف ومن قال هنا قال بعض النحويين : إن ( من ) في قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 117 ] منصوب بصيغة التفضيل قبله نصب المفعول به .