فلا ينافي أنه كان عالما به قبل ذلك دون خلقه .
واختلف العلماء في قوله
أَحْصى
فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و « أمدا » مفعوله « وما » في قوله « لما لبثوا » مصدرية ؛ وتقرير المعنى على هذا : لنعلم أن الحزبين ضبط أمدا للبثهم في الكهف .
وممن اختار أن
أَحْصى
فعل ماض : الفارسي والزمخشري . وابن عطية وغيرهم .
وذهب بعضهم إلى أن
أَحْصى
صيغة تفضيل ، « وأمدا » تمييز . وممن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما . وجوز الحوفي وأبو البقاء الوجهين .
والذين قالوا : إن
أَحْصى
فعل ماض قالوا : لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل ؛ لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياسا إلا من الثلاثي ، « وأحصى » رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياسا . قالوا : وقولهم : ما أعطاه وما أولاه للمعروف ، وأعدى من الجرب ، وأفلس من ابن المذلق - شاذ لا يقاس عليه ، فلا يجوز حمل القرآن عليه .
واحتج الزمخشري في الكشاف أيضا لأن
أَحْصى
ليست صيغة تفضيل - بأن
أَمَداً
لا يخلو : إما أن ينتصب بأفعل - فأفعل لا يعمل . وإما أن ينتصب ب
لَبِثُوا
فلا يسد عليه المعنى أن لا يكون سديدا على ذلك القول ، وقال : فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه
أَحْصى
كما أضمر في قوله :
* وأضرب منا بالسيوف القوانسا *
أي نضرب القوانس فقد أبعدت المتناول وهو قريب حيث أبيت أن يكون
أَحْصى
فعلا ، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره - انتهى كلام الزمخشري .
وأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا : لا نسلم أن صيغة التفضيل لا تصاغ من غير الثلاثي ، ولا نسلم أيضا لأنها لا تعمل .
وحاصل تحرير المقام في ذلك - أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من « أفعل » كما هنا ، أو لا تصاغ منه ؛ ثلاثة مذاهب لعلماء النحو :
الأول - جواز بنائها من أفعل مطلقا ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، وهو مذهب أبي إسحاق كما نقله عنه أبو حيان في البحر .
والثاني - لا يبنى منه مطلقا ، وما سمع منه فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه . وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله :
وبالندور احكم لغير ما ذكر * ولا تقس على الذي منه أثر