كتاب . والوحي في لغة العرب يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء . ولذلك أطلق على الإلهام ، كما في قوله تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ النحل : 68 ] الآية . وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا
الآية . ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر في هذه الآية الكريمة . وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب ، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته :
فمدافع الريان عرى رسمها * خلقا كما ضمن الوحي سلامها
فقوله « الوحي » بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء ، جمع وحي بمعنى الكتابة .
وقول عنترة :
كوحي صحائف من عهد كسرى * فأهداها لأعجم طمطمي
وقول ذي الرمة :
سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها * بقية وحي في بطون الصحائف
وقول جرير :
كأن أخا الكتاب يخط وحيا * بكاف في منازلها ولام
قوله تعالى :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 )
[ 11 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن زكريا خرج على قومه من المحراب فأشار إليهم ، أو كتب لهم : أن سبحوا اللّه أول النهار وآخره . فالبكرة أول النهار ، والعشي آخره .
وقد بين تعالى في « آل عمران » أن هذا الذي أمر به زكريا قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشيا - أن اللّه أمر زكرياء به أيضا ، وذلك في قوله :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 41 ) [ آل عمران : 41 ] . والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
[ آل عمران : 39 ] . قال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية : والمحراب : أرفع المواضع ، وأشرف المجالس . وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض ا ه . وقال الجوهري في صحاحه : قال الفراء المحاريب :
صدور المجالس ، ومنه سمي محراب المسجد ، والمحراب : الغرفة . قال وضاح اليمن :
ربة محراب إذا جئتها * لم ألقها أو أرتقي سلما
ومن هذا المعنى قوله تعالى :
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ
[ آل عمران : 37 ] الآية .