مرادا بها المستقبل ، لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع بالفعل . وكذلك وكذلك تسميته شيئا قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة اللّه تعالى .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ
قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة والكسائي « خلقتك » بتاء الفاعل المضمومة التي هي تاء المتكلم . وقرأه حمزة والكسائي « وقد خلقناك » بنون بعدها ألف ، وصيغة الجمع فيها للتعظيم .
قوله تعالى :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 )
[ 10 ] .
المراد بالآية هنا - العلامة ، أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به من الولد .
قال بعض أهل العلم : طلب الآية على ذلك لتتم طمأنينته بوقوع ما بشر به . ونظيره على هذا القول قوله تعالى عن إبراهيم :
قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] . وقيل : أراد بالعلامة أن يعرف ابتداء حمل امرأته ، لأن الحمل في أول زمنه يخفى .
وقوله في هذه الآية الكريمة :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
( 10 ) أي علامتك على وقوع ذلك ألا تكلم الناس ، أي أن تمنع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك سويا ، أي سوى الخلق ، سليم الجوارح ، ما بك خرس ولا بكم ولكنك ممنوع من الكلام على سبيل خرق العادة ، كما قدمنا في « آل عمران » . أما ذكر اللّه فليس ممنوعا منه بدليل قوله في « آل عمران » :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 41 ) [ آل عمران : 41 ] ؛ وقول من قال : إن معنى قوله تعالى ؛
ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
( 10 ) أي ثلاث ليال متتابعات - غير صواب ، بل معناه هو ما قدمنا من كون اعتقال لسانه عن كلام قومه ليس لعلة ولا مرض حدث به ؛ ولكن بقدرة اللّه تعالى وقد قال تعالى هنا « ثلاث ليال » ولم يذكر معها أيامها ، ولكنه ذكر الأيام في « آل عمران » ، في قوله
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
[ آل عمران : 41 ] الآية . فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن .
وقوله تعالى في هذه الآية :
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
يعني إلا بالإشارة أو الكتابة ، كما دل عليه قوله هنا :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
( 11 ) [ مريم : 11 ] ، وقوله في « آل عمران » :
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
الآية ؛ لأن الرمز : الإشارة والإيماء بالشفتين والحاجب . والإيحاء في قوله :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا
الآية ، قال بعض العلماء :
هو الإشارة وهو الأظهر بدليل قوله « إلّا رمزا » كما تقدم آنفا . وممن قال بأن الوحي في الآية الإشارة : قتادة ، والكلبي ، وابن منبه ، والعتبي ، كما نقله عنهم القرطبي وغيره . وعن مجاهد ، والسدي « فأوحى إليهم » أي كتب لهم في الأرض . وعن عكرمة : كتب لهم في