الطعام ، إذا غاب فيه وهلك فيه ، ولذلك تسمي العرب الدفن إضلالا ؛ لأنه تغيب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام الميت فيها ، لأنها تصير رميما وتمتزج بالأرض . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
[ السجدة : 10 ] الآية .
ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى :
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
[ الأعراف :
53 ] أي غاب واضمحل .
ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان :
فآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل
فقوله : مضلوه ، يعني دافنيه . وقوله : بعين جلية ، أي بخبر يقين . والجولان : جبل دفن عنده المذكور .
ومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال قول الأخطل :
كنت القذ في موج أكدر مزبد * قذف الأتى به فضل ضلالا
وقول الآخر :
ألم تسأل فتخبرك الديار * عن الحي المضلل أين ساروا
قوله تعالى :
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 )
[ 15 ] .
أخبر اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه سينبىء إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال كونهم لا يشعرون .
ثم صرح في هذه السورة الكريمة بأنه جل وعلا أنجز ذلك الوعد في قوله :
قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ
( 89 ) [ يوسف : 89 ] .
وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله :
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
( 58 ) [ يوسف : 58 ] .
وهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله :
لَتُنَبِّئَنَّهُمْ
أي لتخبرنهم
بِأَمْرِهِمْ هذا
في حال كونهم
لا يَشْعُرُونَ
( 15 ) بأنك يوسف هو الظاهر .
وقيل : إن عامل الحال هو قوله :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ
وعليه فالمعنى : أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم لا يشعرون بأنه أوحى إليه ذلك .
وقرأ هذه الآية جمهور القراء غيبت الجب بالإفراد ، وقرأ نافع « غيابات الجب » بصيغة الجمع ، وكل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة ، ومنه