تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ويدل لهذا الوجه قوله تعالى :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[ يوسف : 22 ] وقوله :
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
[ يوسف : 37 ] الآية . قال مقيده عفا اللّه عنه : الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ذلك كله من تأويل الرؤيا ، وعلوم كتب اللّه وسنن الأنبياء - والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 )
[ 8 ] . الظاهر أن مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به أباهم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة - إنما هو الذهاب عن علم حقيقة الأمر كما ينبغي . ويدل لهذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي كلام العرب . فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم :
قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
( 95 ) [ يوسف : 95 ] وقوله تعالى في نبينا صلى اللّه عليه وسلم :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) [ الضحى : 7 ] أي لست عالما بهذه العلوم التي لا تعرف إلا بالوحي ، فهداك إليها وعلمكم بما أوحي إليك من هذا القرآن العظيم . ومنه بهذا المعنى قول الشاعر :
وتظن سلمى أنني أبغي بها * بدلا أراها في الضلال تهيم
يعني : أنها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنه يبغي بها بدلا وهو لا يبغي بها بدلا . وليس مراد أولاد يعقوب الضلال في الدين ، إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفارا ، وإنما مرادهم أن أباهم في زعمهم في ذهاب عن إدراك الحقيقة ، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به ، حيث آثر اثنين على عشرة ، مع أن العشرة أكثر نفعا له ، وأقدر على القيام بشؤونه وتدبير أموره . واعلم أن الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين : أحدهما - الضلال في الدين ، أي الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل صلوات اللّه عليهم وسلامه . وهذا أشهر معانيه في القرآن ؛ ومنه بهذا المعنى
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( 7 ) [ الفاتحة : 7 ] وقوله :
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
( 71 ) [ الصافات : 71 ] ، وقوله :
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
[ يس : 62 ] إلى غير ذلك من الآيات . الثاني - إطلاق الضلال بمعنى الهلاك والغيبة ؛ من قول العرب : ضل السمن في