والآيات الموضحة لذلك كثيرة جدا ؛ كقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
( 16 ) [ ق : 16 ] وقوله :
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
( 5 ) [ هود : 5 ] ، وقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد قدمنا هذا المبحث موضحا في أول سورة هود . ولفظة « كم » في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به « لأهلكنا » و
مِنَ
في قوله
مِنَ الْقُرُونِ
بيان لقوله
كَمْ
وتمييز له كما يميز العدد بالجنس . وأما لفظه « من » في قوله
مِنْ بَعْدِ نُوحٍ
[ الإسراء : 17 ] فالظاهر أنها لابتداء الغاية ، وهو الذي اختاره أبو حيان في « البحر » . وزعم الحوفي أن « من » الثانية بدل من الأولى ، ورده عليه أبو حيان . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 )
[ 19 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها
أي عمل لها عملها الذي تنال به ، وهو امتثال أمر اللّه ، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
أي موحد للّه جل وعلا ، غير مشرك به ولا كافر به ، فإن اللّه يشكر سعيه ، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل .
وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان باللّه ؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة ، لأنه شرط في ذلك قوله
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
.
وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة ؛ كقوله :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
( 124 ) [ النساء : 124 ] ، وقوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 97 ) [ النحل : 97 ] وقوله :
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 )
[ غافر : 40 ] إلى غير ذلك من الآيات .
ومفهوم هذه الآيات - أن غير المؤمنين إذا أطاع اللّه بإخلاص لا ينفعه ذلك ؛ لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان باللّه جل وعلا .
وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات أخر ؛ كقوله في أعمال غير المؤمنين :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) [ الفرقان : 23 ] ، وقوله :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[ إبراهيم : 18 ] الآية ، وقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ النور : 39 ]