لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
( 134 ) [ البقرة : 134 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد قدمنا في سورة « النحل » بإيضاح : أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] الآية ، ولا قوله :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ النحل : 25 ] الآية ؛ لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم ، وأوزار إضلالهم غيرهم ؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا - كما تقدم مستوفى .
تنبيه
يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان :
الأول - ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي اللّه عنهما من « أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه » « 1 » فيقال : ما وجه تعذيبه ببكاء غيره ؛ إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره ؟
السؤال الثاني - إيجاب دية الخطأ على العاقلة ؛ فيقال : ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر ؟ .
والجواب عن الأول - هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين :
الأول - أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه ؛ كما قال طرفة بن العبد في معلقته :
إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي على الجيب يابنة معبد
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه : فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر ؛ وذلك من فعله لا فعل غيره .
الثاني - أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ؛ لأن إهماله نهيهم تفريط منه ، ومخالفة لقوله تعالى :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التحريم : 6 ] فتعذيبه إذا بسبب تفريطه ، وتركه ما أمر اللّه به من قوله :
قُوا أَنْفُسَكُمْ
الآية - وهذا ظاهر كما تر .
وعن الثاني - بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل ، ولكنها مواساة محضة أوجبها اللّه على عاقلة الجاني ؛ لأن الجاني لم يقصد سوءا ، ولا إثم عليه البتة - فأوجب اللّه في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع ، وأوجب المواساة فيها على العاقلة . ولا إشكال في إيجاب اللّه على بعض خلقه مواساة بعض خلقه ؛ كما أوجب أخذ الزكاة من مال
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1286 و 1287 ، ومسلم في الجنائز حديث 16 .