أقوم ؛ أي الطريقة الّتي هي أسدّ وأعدل وأصوب ؛ ف ( التي ) نعت لموصوف محذوف ؛ على حدّ قول ابن مالك في الخلاصة :
وما من المنعوت والنّعت عقل * يجوز حذفه وفي النعت يقل
وقال الزّجاج والكلبيّ والفرّاء : للحال التي هي أقوم الحالات ، وهي توحيد اللّه والإيمان برسله .
وهذه الآية الكريمة أجمل اللّه جلّ وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهد إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها ، فلو تتبّعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم ؛ لشمولها لجميع ما فيه من الهد إلى خيري الدّنيا والآخرة . ولكنّنا إن شاء اللّه تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هد القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة ، تنبيها ببعضه على كلّه من المسائل العظام ، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفّار ، وطعنوا بسببها في دين الإسلام ، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة .
فمن ذلك توحيد اللّه جلّ وعلا : فقد هد القرآن فيه للطريق الّتي هي أقوم الطرق وأعدلها ، وهي توحيده جلّ وعلا في ربوبيّته ، وفي عبادته ، وفي أسمائه وصفاته . وقد دلّ استقراء القرآن العظيم على أنّ توحيد اللّه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول - توحيده في ربوبيّته ، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء ، قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف : 87 ] الآية ، وقال :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ
( 31 ) [ يونس : 31 ] وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( 23 ) [ الشعراء : 23 ] تجاهل من عارف أنّه عبد مربوب ؛ بدليل قوله تعالى :
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
[ الإسراء : 102 ] الآية ، وقوله :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة للّه ؛ كما قال تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
( 106 ) [ يوسف : 106 ] ، والآيات الدالّة على ذلك كثيرة جدا .
الثاني - توحيده جلّ وعلا في عبادته . وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى « لا إله إلّا اللّه » وهي متركبّة من نفي وإثبات ؛ فمعنى النفي منها : خلع جميع أنواع المعبودات غير اللّه كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت . ومعنى الإثبات منها : إفراد اللّه جلّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص ، على الوجه الّذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام . وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد ، وهو الّذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
( 5 ) [ ص : 5 ] .