المسألة الثّالثة - أطلق جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى
في قوله :
بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
والجناية الأولى ليست عقوبة ؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين . ومن أساليب اللغة العربيّة المشاكلة بين الألفاظ ؛ فيؤدّي لفظ بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام ؛ كقول الشاعر :
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا
أي خيطوا لي . وقال بعض العلماء : ومنه قول جرير :
هذي الأرامل قد قَضَيتُ حاجتها * فمن لِحَاجة هذا الأرمل الذّكر
بناء على القول بأنّ الأرامل لا تطلق في اللّغة إلا على الإناث .
ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحد العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر - قوله تعالى :
* ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ
[ الحج : 60 ] الآية ، ونحوه أيضا .
قوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشور : 40 ] مع أنّ القصاص ليس بسيّئة وقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
[ البقرة : 194 ] الآية ؛ لأنّ القصاص من المعتدي أيضا ليس باعتداء كما هو ظاهر ، وإنّما أدّ بغير لفظه للمشاكلة بين اللّفظين : قوله تعالى :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
الآية .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه صلى اللّه عليه وسلم مأمور بالصّبر ، وأنّه لا يمتثل ذلك الأمر بالصّبر إلّا بإعانة اللّه وتوفيقه ؛ لقوله :
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع . كقوله :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
( 35 ) [ فصلت :
35 ] ، لأنّ قوله :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ
الآية ، معناه أنّ خصلة الصّبر لا يلقّاها إلّا من كان له عند اللّه الحظّ الأكبر والنّصيب الأوفر ، بفضل اللّه عليه ، وتيسر ذلك له .
قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )
[ 128 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه مع عباده المتّقين المحسنين . وقد تقدّم إيضاح معنى التّقو والإحسان .
وهذه المعيّة بعباده المؤمنين ، وهي بالإعانة والنّصر والتّوفيق . وكرّر هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
( 46 ) [ طه : 46 ] ، وقوله :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
[ الأنفال : 12 ] ، وقوله :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ التوبة : 40 ] وقوله :
قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
( 62 ) [ الشعراء : 62 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأما المعيّة العامّة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامّة والعلم ، ونفوذ القدرة ، وكون