بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة الإسراء
قوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
[ 1 ] الآية .
وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ من أنواع البيان الّتي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ويكون في الآية قرينة تدلّ على عدم صحّة ذلك القول . فإنّا نبيّن ذلك . فإذا علمت ذلك .
فاعلم أنّ هذا الإسراء به صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية الكريمة ، زعم بعض أهل العلم أنّه بروحه صلى اللّه عليه وسلم دون جسده ، زاعما أنّه في المنام لا اليقظة ، لأنّ رؤيا الأنبياء وحي .
وزعم بعضهم : أنّ الإسراء بالجسد ، والمعراج بالرّوح دون الجسد ، ولكن ظاهر القرآن يدلّ على أنه بروحه وجسده صلى اللّه عليه وسلم يقظة لا مناما ، لأنّه قال
بِعَبْدِهِ
والعبد عبارة عن مجموع الرّوح والجسد ، ولأنّه قال
سُبْحانَ
والتّسبيح إنّما يكون عند الأمور العظام . فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتّى يتعجّب منه . ويؤيّده قوله تعالى :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 )
[ النجم : 17 ] لأنّ البصر من آلات الذّات لا الرّوح ، وقوله هنا
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
.
ومن أوضح الأدلّة القرآنية على ذلك قوله جلّ وعلا :
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
[ الإسراء : 60 ] فإنّها رؤيا عين يقظة ، ولا رؤيا منام ، كما صحّ عن ابن عبّاس وغيره .
ومن الأدلّة الواضحة على ذلك - أنّها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة ، ولا سببا لتكذيب قريش ، لأنّ رؤيا المنام ليست محلّ إنكار ، لأنّ المنام قد ير فيه ما لا يصحّ .
فالّذي جعله اللّه فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب ؛ فزعم المشركون أنّ من ادّعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة ، فصار فتنة لهم . وكون الشّجرة المعلونة الّتي هي شجرة الزّقّوم على التحقيق فتنة لهم - « أنّ اللّه لمّا أنزل قوله :
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ
( 64 ) [ الصافات : 64 ] قالوا : ظهر كذبه ؛ لأن الشّجر لا ينبت بالأرض اليابسة ،