يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنّه سيحول إلى بيت اللّه الحرام ، والفرض أنه لم يحول .
وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدحاض هذه الحجج الباطلة بقوله :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 150 ] ثم بين الحكمة بقوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
[ البقرة : 150 ] الآية . وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته صلى اللّه عليه وسلم إلى حب التحويل إلى بيت اللّه الحرام المشار إليه في قوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 144 ] الآية .
المسألة الخامسة - اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام :
الأول - نسخ التلاوة والحكم معا ، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت : « كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن . . » الحديث « 1 » . فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعا .
الثاني - نسخ التلاوة وبقاء الحكم ، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفا ، وآية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما .
الثالث - نسخ الحكم وبقاء التلاوة ، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ ؛ كآية المصابرة ، والعدة ، والتخيير بين الصوم والإطعام ، وحبس الزواني . كما ذكرنا ذلك كله آنفا .
المسألة السادسة - اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن ، ونسخ السنة بمتواتر السنة . واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه ، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد .
وخلافهم في هذه المسائل معروف . وممن قال : بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب ، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي رحمه اللّه .
قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر لي - واللّه تعالى أعلم - هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر ؛ لأن الجميع وحي من اللّه تعالى . فمثال نسخ السنة بالكتاب : نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت اللّه الحرام ؛ فإن استقبال بيت المقدس أوّلا إنّما وقع بالسنّة لا بالقرآن ، وقد نسخه اللّه بالقرآن في قوله :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
[ البقرة : 144 ] الآية . ومثال نسخ الكتاب بالسنة : نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكما بالسنة المتواترة .
ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكما بالسنة المتواترة . وسورة الخلع وسورة الحفد : هما القنوت في الصبح عند المالكية . وقد أوضح صاحب ( الدر المنثور ) وغيره
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الرضاع حديث 24 .