وقال بعض العلماء :
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
( 84 ) أي يعتبون ، بمعنى يزال عنهم العتب ، ويعطون العتبى وهي الرضا ؛ لأن اللّه لا يرضى عن القوم الكافرين . وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور :
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
( 24 ) [ فصلت : 24 ] أي وإن يطلبوا العتبى - وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم - فما هم من المعتبين ؛ بصيغة اسم المفعول : أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم ؛ لأن العرب تقول : أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره ، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع
أي لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضاه . وقول النابغة :
فإن كنت مظلوما فعبد ظلمته * وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب
وأما قول بشر بن أبي خازم :
غضبت تميم أن تقتل عامر * يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
يعني أعتبناهم بالسيف ، أي أرضيناهم بالقتل ؛ فهو من قبيل التهكم ، كقول عمرو بن معدي كرب :
وخيل قد دلفت لها بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع
لأن القتل ليس بإرضاء ، والضرب الوجيع ليس بتحية .
وأما على قراءة من قرأ
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا
[ فصلت : 24 ] بالبناء للمفعول
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 )
[ فصلت : 24 ] بصيغة اسم الفاعل ، فالمعنى : أنهم لو طلبت منهم العتبى وردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة اللّه وطاعة رسله ، فما هم من المعتبين : أي الراجعين إلى ما يرضي ربهم ، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولا . وهذه القراءة كقوله تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 28 ) [ الأنعام : 28 ] .
قوله تعالى :
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 )
[ 85 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف عنهم ، ولا ينظرون أي لا يمهلون ، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر . وبين أنهم يرون النار وأنها تراهم ، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم ؛ كقوله تعالى :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
( 40 ) [ الأنبياء : 39 - 40 ] ، وقوله :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
( 53 ) [ الكهف : 53 ] ، وقوله :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ