يصح قبوله ، وذلك في قوله :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
( 36 ) [ المرسلات : 35 - 36 ] .
فإن قيل : ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا ، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم ؛ كقوله تعالى عنهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
( 23 ) [ الأنعام : 23 ] ، وقوله :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
[ النحل : 28 ] ، وقوله :
بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
[ غافر : 74 ] ، ونحو ذلك من الآيات .
فالجواب - من أوجه :
منها - أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم : أخسئوا فيها ولا تكلمون ، انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق ؛ كما قال تعالى :
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ
( 85 ) [ النمل : 85 ] .
ومنها - أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة . أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم ، يصدق عليه في لغة العرب : أنه ليس بشيء ، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله :
صُمٌّ بُكْمٌ
[ البقرة : 18 ] مع قوله عنهم :
وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ
[ المنافقون :
4 ] أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم . وقال عنهم أيضا :
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
[ الأحزاب : 19 ] فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم ، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء ، كما هو واضح . وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي :
وإن كلام المرء في غير كنهه * لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقد بينا هذا في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] في مواضع منه .
والترتيب ب « ثمّ » في قوله في هذه الآية الكريمة :
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
على قوله :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم .
قوله تعالى :
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 )
[ 84 ] .
اعلم أولا - أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى ؛ أي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره . وتستعمل أيضا في اللغة بمعنى أعتب : إذا أعطى العتبى ؛ أي رجع إلى ما يحب العاتب ويرضى ، فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في قوله :
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
( 84 ) وجهين من التفسير متقاربي المعنى .
قال بعض أهل العلم :
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
( 84 ) أي لا تطلب منهم العتبى ، بمعنى لا يكلفون أن يرضوا ربهم ، لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا .