قوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 )
[ 78 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أخرج بني آدم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ، وجعل لهم الأسماع والأبصار والأفئدة ؛ لأجل أن يشكروا له نعمه . وقد قدمنا : أن « لعل » للتعليل . ولم يبين هنا هل شكروا أو لم يشكروا ؛ ولكنه بين في مواضع أخر : أن أكثرهم لم يشكروا ؛ كما قال تعالى :
اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
( 243 ) [ البقرة : 243 ] ، وقال :
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
( 23 ) [ الملك : 23 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
تنبيه
لم يأت السمع في القرآن مجموعا ، وإنما يأتي فيه بصيغة الإفراد دائما ، مع أنه يجمع ما يذكر معه كالأفئدة والأبصار .
وأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائما : أن أصله مصدر سمع سمعا ، والمصدر إذا جعل اسما ذكر وأفرد ؛ كما قال في الخلاصة :
ونعتوا بمصدر كثيرا * فالتزموا الإفراد والتذكيرا
قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 )
[ 79 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن تسخيره الطير في جو السماء ما يمسكها إلا هو - من آياته الدالة على قدرته ، واستحقاقه لأن يعبد وحده . وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع ؛ كقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
( 19 ) [ الملك : 19 ] .
تنبيه
لم يذكر علماء العربية الفعل [ بفتح فسكون ] من صيغ جموع التكسير . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية : أن الفعل [ بفتح السكون ] جمع تكسير لفاعل وصفا لكثرة وروده في اللغة جمعا له ؛ كقوله هنا :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ
فالطير جمع طائر ، وكالصحب فإنه جمع صاحب ؛ قال امرؤ القيس :
وقوفا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل
فقوله « صحبي » أي أصحابي . وكالركب فإنه جمع راكب ؛ قال تعالى :
وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
[ الأنفال : 42 ] وقال ذو الرمة :