بعض الناس على بعض في الرزق ، ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق ، وأن المالكين لا يرضون لأنفسهم أن يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم اللّه من الأموال والنساء وجميع نعم اللّه . ومع هذا يجعلون الأصنام شركاء للّه في حقه على خلقه ، الذي هو إخلاص العبادة له وحده ، أي إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم - فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني ! .
ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
[ الروم : 28 ] الآية .
ويؤيده أن « ما » في قوله
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
نافية . أي ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم اه .
فإذا كانوا يكرهون هذا لأنفسهم - فكيف يشركون الأوثان مع اللّه في عبادته ! مع اعترافهم بأنها ملكه ، كما كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .
وهذه الآية الكريمة نص صريح في إبطال مذهب الاشتراكية القائل : بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد من الرزق ، وللّه في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة ؛ قال تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
[ الزخرف : 32 ] الآية ، وقال :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الرعد : 26 ] ، وقال :
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
[ البقرة : 236 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وفي معنى هذه الآية الكريمة قولان آخران :
أحدهما - أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق ؛ فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهو بشر مثلكم وإخوانكم ؛ فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تساووا في الملبس والمطعم ؛ كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه أمر مالكي العبيد « أن يطعموهم مما يطعمون ، ويكسوهم مما يلبسون » « 1 » . وعلى هذا القول فقوله تعالى :
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
لوم لهم ، وتقريع على ذلك .
القول الثاني - أن معنى الآية - أنه جل وعلا هو رازق المالكين والمملوكين جميعا ؛ فهم في رزقه سواء ، فلا يحسبن المالكون أنهم يريدون على مماليكهم شيئا من الرزق ، فإنما ذلك رزق اللّه يجريه لهم على أيديهم . والقول الأول هو الأظهر وعليه جمهور العلماء ، ويدل له القرآن كما بينا . والعلم عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري البخاري في العتق حديث 2545 ، وأخرجه عن أبي اليسر مسلم في الزهد والرقاق حديث 74 .