حال الطفولة ، فإنها حالة ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في سورة الحج ؛
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
[ الحج : 5 ] ، وقوله في الروم :
* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً
[ الروم : 54 ] الآية . وأشار إلى ذلك أيضا بقوله :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ
[ فاطر : 11 ] ، وقوله في سورة المؤمن :
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 67 ) [ غافر : 67 ] .
وقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة : باب قوله تعالى :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
[ النحل : 70 ] حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد اللّه الأعور ، عن شعيب ، عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يدعو « أعوذ باللّه من البخل والكسل ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات » « 1 » اه وعن علي رضي اللّه تعالى عنه : أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة « 2 » . وعن قتادة : تسعون سنة . والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين . وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص ؛ فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدنا وعقلا ، وأشد خرفا - من آخر ابن تسعين سنة ، وظاهر قول زهير في معلقته : -
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
أن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر ، ويدل له قول الآخر :
إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وقوله :
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
أي يرد إلى أرذل العمر ، لأجل أن يزول ما كان يعلم من العلم أيام الشباب ، ويبقى لا يدري شيئا ؛ لذهاب إدراكه بسبب الخرف . وللّه في ذلك حكمة .
وقال بعض العلماء : إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف ، وضياع العلم والعقل من شدة الكبر ؛ ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ التين : 5 - 6 ] الآية .
قوله تعالى :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 )
[ 71 ] .
أظهر التفسيرات في هذه الآية الكريمة : أن اللّه ضرب فيها مثلا للكفار ، بأنه فضل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4707 .
( 2 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 14 / 95 .