توجد في النبيذ - إلى أن قال : وعلى الجملة ، فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس . واللّه أعلم .
وقد قال عبد اللّه بن المبارك : لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين ؛ إلا عن إبراهيم النخعي . انتهى محل الغرض من ( فتح الباري ) بحذف ما لا حاجة إليه .
قال مقيده عفا اللّه عنه : تحريم قليل النبيذ الذي يسكر كثيره لا شك فيه ؛ لما رأيت من تصريح النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن « ما أسكر كثيره فقليله حرام » « 1 » .
واعلم - أن قياس النبيذ المسكر كثيره على الخمر بجامع الإسكار لا يصح ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم صرح بأن « كل مسكر حرام » « 2 » والقياس يشترط فيه ألا يكون حكم الفرع منصوصا عليه كحكم الأصل ؛ كما أشار له في مراقي السعود بقوله :
وحيثما يندرج الحكمان * في النص فالأمران قل سيان
وقال ابن المنذر : وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة ، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم اه .
قوله تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ 68 ] الآية .
المراد بالإيحاء هنا : الإلهام . والعرب تطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية ؛ ولذا تطلقه على الإشارة ، وعلى الكتابة ، وعلى الإلهام . ولذلك قال تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
أي ألهمها . وقال :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً
[ مريم : 11 ] الآية ؛ أي أشار إليهم . وسمى أمره للأرض إيحاء في قوله :
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
( 5 ) [ الزلزلة : 4 - 5 ] ومن إطلاق الوحي على الكتابة قول لبيد في معلقته : -
فمدافع الريان عر رسمها * خلقا كما ضمن الوحي سلامها
ف « الوحي » في البيت ( بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء ) جمع وحي بمعنى الكتابة . وسيأتي لهذه المسألة إن شاء اللّه زيادة إيضاح .
قوله تعالى :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 )
[ 70 ] .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر ، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر . وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ، ويختل فيه النطق والفكر ، وخص بالرذيلة لأنه حال لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد ؛ بخلاف
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) سبق تخريجه .