الراء بصيغة اسم الفاعل ؛ من أفرط . والقراءة التي ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف ، وترو هذه القراءة عن أبي جعفر . وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب اللّه .
أما على قراءة الجمهور
مُفْرَطُونَ
بصيغة المفعول فهو اسم مفعول أفرطه : إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه ؛ فقوله :
مُفْرَطُونَ
أيّ متروكون منسيون في النار . ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
[ الأعراف : 51 ] ، وقوله :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ
[ السجدة : 14 ] الآية ، وقوله :
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ
[ الجاثية : 34 ] ، فالنسيان في هذه الآيات معناه : الترك في النار . أما النسيان بمعنى زوال العلم : فهو مستحيل على اللّه ؛ كما قال تعالى :
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
( 64 ) [ مريم : 64 ] ، وقال :
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( 52 ) [ طه : 52 ] .
وممن قال بأن معنى
مُفْرَطُونَ
منسيون متركون في النار : مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن الأعرابي ، وأبو عبيدة ، والفراء ، وغيرهم .
وقال بعض العلماء : معنى قوله
مُفْرَطُونَ
على قراءة الجمهور : أيّ مقدمون إلى النار معجلون ؛ من أفرطت فلانا وفرطته في طلب الماء : إذا قدمته ، ومنه حديث : « أنا فرطكم على الحوض » « 1 » أيّ متقدمكم . ومنه قول القطامي :
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا * كما تقدم فراط لوراد
وقول الشنفر :
هممت وهمت فابتدرنا وأسبلت * وشمر مني فارط متمهل
أيّ : متقدم إلى الماء . وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر : إذا أسرف فيه وجاوز الحد . ويشهد لهذه القراءة قوله :
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ
( 43 ) [ غافر :
43 ] ونحوها من الآيات . وعلى قراءة أبي جعفر ، فهو اسم فاعل ، فرط في الأمر : إذا ضيعه وقصر فيه ، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] الآية . فقد عرفت أوجه القراءات في الآية ، وما يشهد له القرآن منها .
وقوله :
لا جَرَمَ
أي حقا أن لهم النار . وقال القرطبي في تفسيره : لا رد لكلامهم ( وتم الكلام ) أيّ ليس كما تزعمون ! جرم أن لهم النار ! حقا أن لهم النار ! وقال بعض العلماء : « لا » صلة ، و « جرم » بمعنى كسب ؛ أيّ كسب لهم عملهم أن لهم النار .
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود : البخاري في الرقاق حديث 6575 و 6576 ، والفتن حديث 7049 ، ومسلم في الفضائل حديث 32 .