تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
أيّ إذا كان الواحد منكم لا يرضى أن يكون عبده المملوك شريكا له مثل نفسه في جميع ما عنده ؛ فيكف تجعلون الأوثان شركاء للّه في عبادته التي هي حقه على عباده ! وبين جعلهم بعض ما خلق اللّه من الرزق للأوثان في قوله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً
- إلى قوله -
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( 136 ) [ الأنعام : 136 ] وقوله :
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ
[ النحل : 56 ] كما تقدم . قوله تعالى :
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
[ 62 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب ؛ فيزعمون أن لهم الحسنى والحسنى تأنيث الأحسن ، قيل : المراد بها الذكور ؛ كما تقدم في قوله :
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
( 57 ) [ النحل : 57 ] . والحق الذي لا شك فيه : أن المراد بالحسنى : هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا . ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان : أحدهما - كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى ؛ كقوله تعالى عن الكافر :
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] ، وقوله :
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
( 36 ) [ الكهف : 36 ] ، وقوله :
وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
( 77 ) [ مريم : 77 ] ، وقوله :
وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
( 35 ) [ سبأ : 35 ] . وقوله :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
[ المؤمنون : 55 - 56 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والدليل الثاني - أن اللّه أتبع قوله :
أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
بقوله :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ
الآية ؛ فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا ، والعلم عند اللّه . والمصدر المنسبك من « أن » وصلتها في قوله
أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
في محل نصب ، بدل من قوله
الْكَذِبَ
ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحا لا خفاء به . وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
[ النحل : 116 ] الآية ما نصه : فإن قلت : ما معنى وصف ألسنتهم الكذب ؟ قلت : هو من فصيح الكلام وبليغه ، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه ؛ فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته ؛ كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر اه . قوله تعالى :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 )
[ 62 ] . في هذا الحرف قراءتان سبعيتان ، وقراءة ثالثة غير سبعية . قرأه عامة السبعة ما عد نافعا
مُفْرَطُونَ
بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول ؛ من أفرطه . وقرأ نافع بكسر
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 220 | الشنقيطي