وقوله :
بَلى
نفي لنفيهم البعث كما قدمنا . وقوله :
وَعْداً
مصدر مؤكد لما دلت عليه « بلى » ؛ لأن « بلى » تدل على نفي قولهم : لا يبعث اللّه من يموت . ونفي هذا النفي إثبات ، معناه : لتبعثن . وهذا البعث المدلول على إثباته بلفظة « بلى » فيه معنى وعد اللّه بأنه سيكون . فقوله :
وَعْداً
مؤكد له . وقوله :
حَقًّا
مصدر أيضا ؛ أيّ وعد اللّه بذلك وعدا ، وحقه حقا ، وهو مؤكد أيضا لما دلت « بلى » . واللام في قوله :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
[ النحل : 39 ] ، وفي قوله :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ النحل : 39 ] الآية ، تتعلق بقوله : « بلى » أي يبعثهم ليبين لهم . . إلخ . والضمير في قوله :
لَهُمُ
عائد إلى من يموت ؛ لأنه شامل للمؤمنين والكافرين .
وقال بعض العلماء : اللام في الموضعين تتعلق بقوله :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
[ النحل : 36 ] الآية . أيّ بعثناه ليبين لهم . . إلخ والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 )
[ 40 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لا يتعاصى على قدرته شئ ، وإذ يقول للشيء « كن » فيكون بلا تأخير . وذلك أن الكفار لما
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
، ورد اللّه عليهم كذبهم بقوله :
بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
بين أنه قادر على كل شيء ، وأنه كلما قال لشيء « كن » كان .
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في الرد على من قال
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
( 78 ) [ يس : 78 ] :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) [ يس :
82 ] .
وبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله : « كن » بل إذا قال للشيء « كن » مرة واحدة ، كان في أسرع من لمح البصر - في قوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
( 50 ) [ القمر : 50 ] ، ونظيره قوله :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 77 ) [ النحل : 77 ] ، وقال تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 59 ) [ آل عمران : 59 ] الآية ، وقال :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء ؛ لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل ؛ فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود دون المعدوم ؛ لأنه لما سبق في علم اللّه أنه يوجد ذلك الشيء ، وأنه يقول له كن فيكون - كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه . أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع ، كتسمية العصير خمرا في قوله :
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً
[ يوسف : 36 ] - نظرا إلى ما يؤول إليه في ثاني حال . وقرأ هذا الحرف